مقال مقالات
عندما يتحول النقد إلى محاكمة شخصية: قراءة في مقال "هيكلة العجز"
كاتب المقال
صالح علي محمد الدويللا تُقاس قوة المقال السياسي بحدة لغته بل بقدرته على إثبات ما يدعيه ومقال الزميل "حافظ الشجيفي" عن "سالم العولقي" رغم ما فيه من حماس لغوي واضح يقدم نموذجاً صارخاً لكيف يمكن أن تتحول الكتابة النقدية من محاسبة مسؤول إلى تصفية حساب مع شخص
المقال لا يبدأ من سؤال موضوعي:\
ماذا حدث في وزارة الخدمة المدنية خلال تسعة أشهر؟ ما الملفات التي تعثرت؟ ما القرارات التي اتخذت أو لم تتخذ؟
بل يبدأ من سؤال شخصي: من هو سالم العولقي؟ ولماذا هرب؟ وكيف استثمر سمعته؟\
وهنا تكمن المشكلة الأولى فعندما يكون الهدف هو الشخص يصبح كل فعل دليل إدانة الاستقالة من هيئة الأراضي تصبح "هروباً".. والتعيين وزيراً يصبح "استثماراً لسمعة مصنوعة".. والنقل إلى الإعلام يصبح "مواراة للفشل" فلا توجد مساحة في هذا المنطق لاحتمال آخر ولا لظرف مؤسسي، ولا لتعقيد سياسي
أخطر جملة في المقال هي: "تؤكد شواهدي ومعلوماتي الخاصة أن مفاسد الوزارة تفاقمت في عهده" وفي الصحافة الاستقصائية المعلومة الخاصة التي لا تُعرض على القارئ ليست معلومة بل ادعاء لا رقم واحد ، لا وثيقة ، لا اسم ملف ، لا قرار إداري واحد تم تحليله ، والقارئ مطالب أن يصدق الكاتب لأنه يقول "أنا تابعت بقلق"
هذا ليس تحقيقاً هذا شهادة ذاتية والشهادة الذاتية لا تحاسب وزيراً بل تعبر عن موقف صاحبها منه
وهنا يسقط معيار "عبء الإثبات". ففي النقد الصحفي والسياسي القاعدة القانونية والمهنية تقول: "البينة على من ادعى". والمقال جعل القارئ في مواجهة "أحكام مرسلة" مطالباً بالتسليم بها طالما أنها صادرة من كاتب يرفع شعار القلق والمتابعة وهو ما يفرغ النقد من قيمته الموضوعية ويحوله إلى "خطاب إنشائي" لا يرتكز على أرضية صلبة
يبني الكاتب حجته المركزية على تناقض: فالعولقي قال إن الانتقالي عرقله في الأراضي ، ثم فشل في الخدمة المدنية بعد خروج الانتقالي، إذن هو فاشل بطبعه
لكن هذا الاستنتاج يتجاهل السؤال الأهم: إذا كان الرجل فاشلاً في الحالتين فلماذا تتم إعادة تدويره من هيئة إلى وزارة الخدمة ثم إلى وزارة سيادية هي الإعلام؟
المقال يلوم الشخص الذي تم تدويره ويبرئ المنظومة التي تدوّره كان الأجدر بالكاتب أن يناقش آلية التعيين نفسها ومن يصنعها ولماذا تنقل الفشل من مكان إلى آخر بدل أن يختزل الأزمة كلها في اسم واحد
المقال مثقل بلغة كبيرة: "الجذور الفلسفية للإخفاق"، "المنطلق السيادي والتحليلي"، "التاريخ يعيد إنتاج الزيف". هذه لغة تحاول أن تمنح النص عمقاً لا تمنحه إياه الوقائع فعندما تغيب الأرقام والوثائق ترتفع اللغة ، وعندما ترتفع اللغة يظن القارئ أن الحجة قوية ، بينما هي في الحقيقة مجرد صياغة بلاغية لانطباع
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: لو أن للزميل سابقة في وضع مشرطه لتشريح وزراء جنوبيين تعاقبوا منذ هروب الشرعية لعذرناه وقلنا إنها منهجية نقدية ثابتة لا تعرف المحاباة لكنه لم يجد لمشرطه النقدي إلا "العولقي" وحده .. فهل هو لحرص على الإصلاح أم لحاجة "في نفس يعقوب"؟
مقال "هيكلة العجز" ينجح كخطاب تعبئة ويفشل كتحقيق محاسبة. هو يصنع صورة ذهنية سلبية عن "سالم العولقي" ، لكنه لا يقدم للقارئ أداة واحدة ليحاسبه بها
ولو استبدلنا اسم "العولقي" بأي اسم آخر لما تغير المقال وهذا هو تعريف الشخصنة: عندما يكون المقال صالحاً لأي اسم تضعه، لأنه لا يناقش ملفاً، بل يناقش شخصاً