خبر تأريخ الجنوب
تصحيح غلطة تاريخية ارتكبها روفلات الجبهة القومية: الجنوب كان محررًا حتى نوفمبر 1967م
*- شبوة برس – خاص
في قراءة تاريخية تستعيد مرحلة ما قبل استقلال الجنوب العربي عام 1967، يطرح السياسي الحضرمي خالد بافقاس تساؤلات حول طبيعة التحول الذي شهدته البلاد عقب رحيل بريطانيا، وما إذا كان ما جرى تحريرًا بالمعنى الوطني، أم انتقالًا من نظام سياسي قائم على السلطنات والمشيخات والإمارات إلى مشروع سياسي جديد ألغى تلك الكيانات وهويتها.
ويؤكد بافقاس أن الجنوب العربي لم يكن أرضًا بلا كيان أو نظام قبل عام 1967، بل كان يتكون من سلطنات ومشيخات وإمارات ذات حدود وخصوصيات سياسية واجتماعية، امتلكت مؤسساتها وقواتها المحلية، وكانت لها نظم حكم وعلاقات سياسية متفاوتة.
ويرى أن السلاطين والمشايخ والأمراء مثّلوا امتدادًا تاريخيًا لكيانات جنوبية، وأن إسقاط تلك الكيانات لم يكن مجرد تغيير في شكل الحكم، بل قطيعة مع بنية سياسية واجتماعية تشكلت عبر أجيال.
ويذهب بافقاس إلى أن ما حدث بعد نوفمبر 1967 وضع الجنوب أمام مسار مختلف، انتهى بإقامة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ثم تغيير اسمها إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ذات التوجه الاشتراكي عام 1970، وما رافق ذلك من تأميم للممتلكات وإقصاء للطبقة الحاكمة السابقة وإلغاء التعدد السياسي.
ويخلص الكاتب إلى أن استعادة الدولة الجنوبية لا ينبغي أن تُختزل في السيطرة على المدن ورفع الأعلام، بل في استعادة الأرض والحدود والهوية وبناء دولة القانون والمؤسسات.
ويؤكد محرر "شبوة برس" إن استعادة تاريخ الجنوب العربي تقتضي إنصاف السلطنات والمشيخات والإمارات التي أدارت شؤون البلاد قبل نوفمبر 1967، وعدم اختزال تاريخها في وصف واحد أو تصويرها باعتبارها كيانات بلا شرعية أو مؤسسات. فقد كانت هناك نظم حكم محلية، وقوات عسكرية وأمنية، وإدارات مدنية، وعلاقات سياسية واجتماعية تشكلت عبر عقود، رغم تفاوت أوضاعها وارتباطاتها بالمعاهدات والحماية البريطانية.
ولا يمكن فهم التحولات التي أعقبت رحيل بريطانيا بمعزل عن الدور الذي أداه روفلات الجبهة القومية، ثم الحزب الاشتراكي اليمني، في تفكيك البنية السياسية والاجتماعية السابقة، وفرض نموذج الدولة ذات الحزب الواحد وتغيير الهوية الوطنية الجنوبية ويمننتها دون الرجوع لشعب الجنوب العربي. وقد رافق جرائم سحل للعلماء والسياسيين والعسكريين والأمنيين الجنوبية وطرد كوادر الجنوب لتبني دول أخرى كذلك تأميم واسع للممتلكات وتدمير ميناء عدن ثالث ميناء حر عالمي، وإقصاء قوى اجتماعية وسياسية، وصراعات داخلية دامية، كان من أبرز محطاتها أحداث يناير 1986 التي أوقعت آلاف الضحايا ودفعت عشرات الآلاف إلى النزوح.
وكان من النتائج البعيدة لذلك المسار أن دخل الجنوب مشروع الوحدة عام 1990 من دون ضمانات كافية لصون الشراكة والتوازن السياسي، قبل أن تنفجر حرب 1994 التي انتهت بهزيمة القوات الجنوبية ودخول القوات المنتصرة عدن، وما أعقب ذلك من نهب وإقصاء وتهميش واسع في الجنوب.
كما لا يجوز إغفال ما تعرض له العلماء ورجال الدين والسياسيون والضباط والقيادات العسكرية والأمنية الجنوبية من إعدامات واغتيالات وسحل وإقصاء خلال مراحل الصراع، ولا ما أصاب الاقتصاد ومؤسسات الدولة من تراجع. وكان ميناء عدن، الذي عُرف تاريخيًا بموقعه الاستراتيجي ومرفئه الطبيعي الكبير، من أبرز المرافق التي تضررت مكانتها التجارية مع التحولات السياسية والاقتصادية اللاحقة.
إن الإنصاف التاريخي لا يعني تبرئة الاستعمار البريطاني، ولا تجاهل ظروف الصراع ضد وجوده، لكنه يقتضي كذلك عدم تحويل إسقاط الكيانات الجنوبية القائمة إلى حقيقة وحيدة اسمها التحرير، أو محو ما كان للسلطنات والمشيخات من حضور سياسي وتاريخي.
فالجنوب العربي لم يبدأ تاريخه في نوفمبر 1967، وهويته أقدم من الأنظمة التي تعاقبت عليه. ومن حق الأجيال أن تعرف تاريخها كاملًا، بما له وما عليه، وأن تميّز بين نهاية الوجود البريطاني، وإسقاط الكيانات الجنوبية، وإقامة نظام سياسي جديد، ثم تجربة الوحدة وحرب 1994.
ملاحظة تاريخية مهمة: تعبير «الجنوب كان محررًا» هو توصيف سياسي يتبناه الكاتب، وليس وصفًا تاريخيًا مطلقًا؛ فعدن كانت مستعمرة بريطانية منذ 1839، فيما كانت السلطنات والمشيخات في المحميات تتمتع بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي، مع خضوع علاقاتها الخارجية والنواحي الأمنية لنفوذ بريطانيا. وهذه الدقة لا تنتقص من أهمية الكيانات الجنوبية السابقة ولا من ضرورة إنصاف تاريخها