لا مكان للقبيلة في الجنوب العربي على حساب الدولة
*- شبوة برس – خاص
في الوقت الذي تتجه فيه شعوب العالم نحو بناء الدول الحديثة وتعزيز المؤسسات وسيادة القانون والمواطنة المتساوية، تبرز دعوات لإحياء المؤتمرات القبلية وإنفاق مبالغ مالية ضخمة عليها، وكأن أزمة المنطقة تكمن في غياب القبيلة، لا في انهيار مؤسسات الدولة وغياب القانون وضعف الإرادة السياسية.
ويطرح الكاتب علي بريك عبدالله لحمر العولقي تساؤلات حول جدوى إنفاق مليار دولار لإعادة إنتاج النفوذ القبلي، في وقت يحتاج فيه المواطن إلى دولة تحمي حقوقه وتصون كرامته، وتحتاج فيه المجتمعات إلى مؤسسات مستقلة وقضاء عادل وقانون يسري على الجميع دون تمييز أو امتيازات موروثة.
ويؤكد أن الاعتراض ليس على القبيلة بوصفها مكوناً اجتماعياً له مكانته وتقاليده، وإنما على تحويلها إلى سلطة تنازع الدولة اختصاصاتها، أو منظومة نفوذ تتقدم على القانون، وتمنح الوجاهة والسلاح والولاءات قدرة على التأثير في القرار العام خارج إطار المؤسسات.
ويستحضر الكاتب تجربة الوحدة عام 1990، التي قامت على وعود الشراكة والمواطنة المتساوية، قبل أن تنتهي إلى صراع على السلطة والثروة والنفوذ، وصولاً إلى حرب عام 1994 وما أعقبها من إقصاء وانتهاكات طالت الجنوب. ويرى أن هيمنة مراكز القوة ورفض إخضاع النفوذ لمؤسسات الدولة كانا من أبرز أسباب تعثر تجربة بناء دولة عادلة، وما ترتب عليها من صراعات دفع الجنوبيون أثمانها من دمائهم وحقوقهم واستقرارهم.
ويحذر من أن إعادة إحياء المؤتمرات القبلية، إذا تحولت إلى وسيلة لإعادة ترتيب مراكز النفوذ وشراء الولاءات، لن تكون طريقاً لبناء الدولة، بل إعادة إنتاج للعوامل التي أضعفتها. فالدولة، بحسب طرحه، لا تُبنى بتوزيع الامتيازات أو صناعة الزعامات، وإنما بمؤسسات تحاسب المسؤول، وتحمي المواطن، وتمنع تغوّل أصحاب النفوذ.
ويضع العولقي مسألة المؤتمرات القبلية في صلب التناقض السياسي الذي يراه قائماً لدى بعض الأطراف الجنوبية؛ إذ يتساءل عن كيفية المطالبة باستعادة دولة الجنوب العربي، ثم المشاركة في مشاريع ومؤتمرات تُبقي الجنوب ضمن إطار الجمهورية اليمنية، وتعيد إنتاج المظلة السياسية التي يطالب الجنوبيون بالخروج منها.
ويشدد على أن القضية الجنوبية ليست خلافاً على مناصب أو وجاهات قبلية، ولا مجالاً لتقاسم المصالح، بل قضية شعب يتطلع إلى استعادة دولته وهويته وقراره السياسي. ومن يدّعي تمثيل الجنوب، وفقاً للكاتب، مطالب بأن يوضح موقفه من هذا الهدف، وألا يجعل تضحيات الجنوبيين وسيلة لإعادة تدوير منظومات النفوذ السابقة.
ويخلص الكاتب إلى أن الجنوب العربي يحتاج إلى دولة مدنية حديثة، تكون فيها سيادة القانون فوق الجميع، والقبيلة مكوناً اجتماعياً محترماً لا سلطة موازية للدولة. فاستعادة دولة الجنوب العربي، كما يؤكد، ليست شعاراً للمساومة، بل هدف يرتبط بحماية الأرض والقرار والكرامة، وإنصاف تضحيات الشهداء.
فالدولة ليست قبيلة أكبر، ولا شيخاً أقوى، ولا مؤتمراً أغلى؛ الدولة قانون يحمي الجميع، أو لا تكون دولة.