خبر تأريخ الجنوب
الأمير محمد بن سعيد الواحدي أحد ثلاثة دهاة من حكام الجنوب العربي
** - كتبه لـ "شبوة برس" – أ.د أحمد الشاعر باسرده
سكرتير دولة حضرموت الواحدية
وجدت صورة سمو الأمير محمد بن سعيد الواحدي، سكرتير الدولة الواحدية، مصادفةً وأنا أتصفح موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، فتوقفت عندها طويلًا؛ لا لأن الصورة أعادت إليّ وجه رجل عرفته في طفولتي فحسب، بل لأنها فتحت أبواب الذاكرة على زمن مضى، وأعادتني إلى أيام الدولة الواحدية، وما ارتبط بها من شخصيات تاريخية تركت بصماتها في ذاكرة الناس ووجدانهم.
عادت بي الذاكرة إلى أول لقاء جمعني بهذا الرجل، يوم زار مدرستنا الابتدائية في ميفعة، وكنت حينها في العاشرة من عمري. ما زلت أتذكر تفاصيل ذلك المشهد وكأن الزمن لم يمضِ. كان الرجل قوي الشخصية، مهيب الحضور، بسيطًا في تعامله، قريبًا من الناس، لا تصنع في سلوكه ولا تكلف في حديثه. أخذ يسأل الطلاب واحدًا تلو الآخر عن أسمائهم، حتى وصل إليّ.
قال: وأنت؟
قلت: أحمد باسردة.
فسألني: أبوك الشاعر؟
قلت: نعم، وهذا ناصر أخي.
فالتفت إليّ وسألني بصوت مرتفع: «هل أنت شاعر مثل أبيك؟».
سكتُّ ولم أجب. كنت طفلًا في العاشرة، أقف أمام رجل لم أكن أدرك يومها مكانته السياسية والاجتماعية، لكنني أدركت، بحس الطفل، أن أمامي شخصية مختلفة، لها حضورها وهيبتها، من دون أن تفقد عفويتها وبساطتها.
لم تكن تلك اللحظة مجرد ذكرى عابرة من ذكريات الطفولة؛ فقد بقيت محفورة في ذاكرتي، حتى أعادت الصورة إحياءها بعد عقود من الزمن.
كان الأمير محمد بن سعيد الواحدي نموذجًا من الرجال الذين لا تُقاس مكانتهم بالألقاب والمناصب وحدها، بل بما يتركونه من أثر في حياة الناس. أتذكر كيف كان يجلس بين القبائل، يستمع إلى أحاديثهم، ويناقشهم، ويتفق معهم ويختلف، ويتعامل مع قضاياهم بمسؤولية ورجولة. لم يكن بعيدًا عن هموم الناس، ولا حبيس المكاتب والقصور، بل كان يتنقل بين القرى، ويلتقي المواطنين، ويتابع شؤونهم، وسط مشاعر الحب والتقدير والاحترام.
تلك هي القيادة التي تستحق أن تبقى في الذاكرة؛ قيادة تعرف أن المنصب مسؤولية، وأن الهيبة لا تُفرض بالصوت المرتفع، وأن احترام الناس لا يُشترى بالمال، بل يُكتسب بالمواقف والعدل والشهامة والاقتراب من هموم المواطنين. كان الرجل، كما بقي في ذاكرتي، يجمع بين قوة الشخصية وبساطة التعامل، وبين مكانة المسؤول وتواضع الإنسان.
وأنا أستعيد هذه الذكريات، حاولت أن أقارن بين تلك القامات التاريخية وبعض من يتصدرون المشهد السياسي اليوم، فإذا بي أشعر بالخجل من مجرد المقارنة؛ فشتان بين الثرى والثريا، وبين رجال صنعت مكانتهم المواقف والمسؤوليات، وآخرين أرهقوا الناس بالشعارات والمناكفات والصراعات.
لقد انحدر المشهد اليمني والجنوبي إلى واقع مؤلم، تتنازعه الحروب والخلافات والمصالح الضيقة، وتتصدره أحيانًا مظاهر الثراء والاستعراض والارتزاق السياسي، بينما تتراجع القيم التي ينبغي أن تكون أساس القيادة، ويظل المواطن وحده يدفع ثمن الفشل والتناحر وضياع البوصلة الوطنية. لقد أرهقتنا هذه الصراعات حتى بات السؤال المؤلم: أين الرجال الذين يحملون هموم الناس، ويملكون الشجاعة لاتخاذ القرار، والقدرة على جمع الكلمة، والاستعداد لتحمل المسؤولية؟
إننا لا نستدعي الماضي لأننا نريد العودة إلى زمنه بكل تفاصيله، ولا نزعم أن ذلك العصر كان خاليًا من الأخطاء والتحديات، وإنما نستحضره لأن في تاريخنا نماذج تستحق التأمل، ولأن الأمم التي تفقد احترامها لرجالها أصحاب المواقف تفقد جزءًا من ذاكرتها ومعاييرها في الحكم على الحاضر.
إن الجنوب، كما اليمن، لا يحتاج إلى مزيد من الوجوه التي تتنازع النفوذ وتستنزف المجتمع في صراعات لا تنتهي؛ بل يحتاج إلى رجال دولة حقيقيين، أصحاب مروءة وحكمة وشجاعة، يعرفون قيمة الأرض والإنسان، ويضعون المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية، ويستمدون شرعيتهم من ثقة الناس لا من الضجيج والاستعراض.
لقد تركت صورة الأمير محمد بن سعيد الواحدي في نفسي سؤالًا أكبر من حدود الذكرى الشخصية: هل يجود علينا التاريخ مجددًا بقيادات محبوبة، شهمة، قوية، وقريبة من الناس، أم أننا سنظل أسرى هذا الانحدار السياسي والأخلاقي الذي جعل خلافاتنا تتسع، وأوطاننا تتراجع، ومستقبل أجيالنا رهينة صراعات لا تنتهي؟
رحم الله زمن الرجال الذين بقيت سيرتهم حاضرة في ذاكرة من عرفوهم، ورحم الله كل شخصية وطنية تركت أثرًا طيبًا في حياة الناس.
أما نحن، فقد أصبحنا أحوج ما نكون إلى مراجعة شاملة، نستعيد بها معنى القيادة والمسؤولية، ونتخلص من المكونات التي لا تنتج إلا الانقسام، ومن الزعامات التي لا ترى في الوطن سوى وسيلة للنفوذ والمكاسب.
إن الأمم لا تفقد مكانتها حين يرحل رجالها الكبار فحسب، بل تفقدها حين تعجز عن إنجاب رجال جدد يحملون قيمهم، ويصونون كرامة الناس، ويعيدون للوطن هيبته.
إضافة من محرر شبوة برس: شهادة وأمانة تاريخية
وفي هذا السياق، أجد من الأمانة التاريخية أن أضيف شهادة مما كنا نسمعه من آبائنا وكبار السن، في أواخر عهد سلاطين الجنوب العربي، وخلال سنوات الشدة والسحل والقتل والإرهاب التي أعقبت الاستقلال.
كان كبار ذلك الجيل، وهم يتحدثون عن الحكم والسياسة ورجال الدولة، يرددون أن ثلاثة من حكام الجنوب العربي كانوا من دهاة الحكم والسياسة، لما عُرفوا به من حكمة وحنكة ودهاء في إدارة شؤون الحكم والتعامل مع القبائل والظروف السياسية المعقدة.
وهؤلاء الثلاثة، وفق ما تناقله الآباء وكبار السن، هم:
1. الشريف حسين بن أحمد الهبيلي، أمير إمارة بيحان الخبيلية.
2. الأمير الشيخ محمد بن سعيد الواحدي، من أبرز رجالات الدولة الواحدية.
3. الشيخ فريد بن محسن بن فريد، شيخ مشيخة العوالق العليا.
وهذه الشهادة من الذاكرة الشفوية التي تناقلها جيل الآباء وكبار السن، وهي جزء من ذاكرة سياسية واجتماعية تستحق التوثيق والبحث، حتى لا تضيع أسماء الرجال ومآثرهم مع رحيل من عرفوهم وعاصروهم.
وقد أعاد هذه الذاكرة إلى ذهني مجددًا، طيب الذكر زميل النضال الأستاذ صالح علي الدويل، شفاه الله وأعاده إلى الوطن وأهله معافى، حين ذكرني بها في أول مهرجان جنوبي كبير أُقيم في يشبم في فبراير 2008. وللأمانة، فإن هذه الإضافة تستحق أن تُسجل، لما تحمله من دلالة على حضور تلك الشخصيات في الذاكرة الشعبية الجنوبية، وعلى ما كان يتناقله الناس عن مكانتها وحنكتها.
خاص لشبوة برس