خبر تأريخ الجنوب
غدا الذكرى الـ75 لدخول بريطانيا عتق واحتلال حصن آل عبدالله لقور بن عيدان (صور)
*- شبوة برس – شهادة تاريخية
في الأول من نوفمبر 1951، دخلت القوات البريطانية مدينة عتق، واحتلت حصن آل عبدالله لقور بن عيدان، في حادثة تاريخية ارتبطت بمحاولات بريطانيا بسط نفوذها العسكري والإداري على عتق وبلاد خليفة، وما أعقب ذلك من أحداث ومواقف ومحن عاشتها الأسرة على مدى عقود.
وتستعيد هذه الشهادة جانباً من تاريخ عتق وبلاد خليفة، كما تروي تفاصيل اقتحام الحصن وما تلاه من ملاحقات وسجن، ومواقف اجتماعية وإنسانية، وصولاً إلى ما تعرض له منزل آل لقور من دمار جراء السيول والقصف العسكري.
عتق وبلاد خليفة قبل الوجود البريطاني
تقع حوطة مدينة عتق في قلب وادي الحاضنة، بلاد خليفة الهلالية، وهي بلاد لم تخضع تاريخياً لسلطة سلطان نصاب العولقي، الذي كانت لديه أطماع في السيطرة عليها، وتشهد على ذلك الغزوات المتكررة وحصار أكثر من قرية من قرى خليفة، ومنها حوطة السادة آل حسين بن محمد، أحفاد المنصب الشيخ أبوبكر بن سالم مولى عينات.
وقبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، لم يكن للوجود البريطاني حضور مباشر فيما يعرف اليوم بمحافظة شبوة ، باستثناء مشيخة العوالق العليا وعاصمتها الصعيد، التي حكمها آل فريد بن محسن بن فريد بن ناصر اليسلمي العولقي، وكانت لهم علاقات بسلطات الاحتلال البريطاني في عدن منذ أواخر القرن التاسع عشر.
وبعد الحرب العالمية الثانية، تعززت العلاقة بين المشيخة وبريطانيا، وفي نهاية أربعينيات القرن الماضي جاءت قوة عسكرية بريطانية وعسكرت في منطقة قوبان،جنوب عتق بـ 9 كيلو متر وهي منطقة تتبع عقال قبيلة آل سليمان العوالق.
غير أن العين البريطانية الاستراتيجية كانت تتجه نحو مدينة عتق، التي كانت تسكنها أسر النقباء آل عيدان، ومنهم أسرة آل لقور بن عيدان وأسرة بن شقيع بن عيدان وال فرج، إلى جانب أسر آل العاض وآل لغجل وآل قوّم. وجميع هذه الأسر تنتسب إلى قبيلة آل حمير بن بلقار بن بحلص الهلالي، وهم القبائل الذين كانوا يحملون السلاح في عتق، فيما كانت غالبية السكان لا تحمل السلاح، ومنهم المشايخ آل باجمال، والقضاة آل حجام، وأسر أخرى عديدة كانت تمتهن مهنًا مختلفة.
وتلتقي آل حمير بن بلقار في الجد مع آل ماضي بن بلقار في عمد بوادي حضرموت، بعد انتقالهم من منطقة بريرة بوادي جردان، كما ينتسب إليهم آل حسن بن بلقار في جردان، وآل لكسر بن هيصم بن بلقار الذين يسكنون شعيب بن لكسر ببلاد سعد، مديرية الروضة، وآل حريش بن بلقار، وهم آل باهدى الذين يسكنون خنق باهدى والنقبة، وقد التحقوا قبلياً بالعوالق.
الأطماع البريطانية في عتق وبداية التحضير للاحتلال
كانت عتق محط اهتمام بريطانيا بسبب تفردها بمساحة واسعة وموقعها الجغرافي عند مفترق طرق مهمة، إلا أن بريطانيا كانت تواجه رفضاً من أبناء خليفة لمحاولات السيطرة عليها.
وفي مطلع عام 1951، بدأت بريطانيا شراء الولاءات بهدف السيطرة على عتق واحتلالها، وإقامة معسكر مركزي كبير ومطار عسكري فيها.
وفي أكتوبر من العام نفسه، شعرت قبيلة آل خليفة بوجود تحركات غريبة ونوايا بريطانية لاحتلال المدينة. وبالتنسيق مع قبيلة آل عيدان في عتق، جرى الاتفاق على المقاومة المسلحة لمواجهة التوسع البريطاني.
وتوافد المسلحون من خليفة إلى المدينة في نهاية أكتوبر، وتوزعوا على البيوت التي لا يتسلح أهلها، استعداداً لمواجهة القوات البريطانية. لكن في الأيام الأخيرة من أكتوبر تسرب المسلحون وغادروا المدينة بإيعاز من مشايخهم، حتى أصبحت المدينة خالية منهم، ولم يبقَ فيها سوى أهلها الأصليون.
الخميس الأول من نوفمبر 1951.. اقتحام حصن آل لقور
في صباح يوم الخميس الأول من نوفمبر 1951، فوجئ سكان المدينة بقيام الجيش البريطاني بمحاصرة الحصن الجديد لآل عبدالله لقور بن عيدان، الواقع في الطرف الجنوبي من مدينة عتق، بالدبابات والجنود المسلحين، وطلبوا من سكان المنزل الخروج والتسليم.
ولم يكن موجوداً داخل الحصن سوى حسين بن عبدالله بن لقور بن عيدان، أما شقيقه الأكبر الحاج أحمد بن عبدالله بن لقور بن عيدان، فكان في مأرب على رأس قافلة من الإبل لجلب الطعام والمتاجرة به في عتق، وأحياناً في حضرموت.
أما الشقيق الأصغر صالح بن عبدالله بن لقور بن عيدان، فكان جندياً في جيش الليوي برتبة ضابط صف. ولأنه كان الأكثر وعياً سياسياً بين أقرانه في عتق والحاضنة وقتها، فقد شارك مع عدد من زملائه المستنيرين في الجيش تحركات للمطالبة بتحسين أوضاع الجنود، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله تحفظياً في اليوم نفسه الذي اقتحم فيه منزله في عتق ، خشية رد فعله على اقتحام منزل أسرته، واستمر اعتقاله أكثر من أسبوعين.
وجد حسين لقور بن عيدان نفسه وحيداً داخل الحصن، لا يملك سوى بندقية بدائية في مواجهة جيش عرمرم مزود بأحدث الأسلحة.
وحاول حسين إطلاق الرصاص لقتل أي عدد من الجنود الذين كانوا يحاصرون الحصن، لكن والدته فاطمة بنت عبدالله صوابان بن حمير، رحمها الله تعالى ورحم الجميع، منعته من إطلاق النار.
وعندما رفض حسين الاستجابة لطلب الجيش بفتح سدة الحصن، قامت القوة البريطانية بربط السدة بإحدى الدبابات وسحبها بالقوة، واضطر حسين ووالدته وزوجته وزوجة شقيقه أحمد إلى مغادرة الحصن والانتقال إلى بيتهم القديم في حارة آل عيدان.
بعد حادثة اقتحام الحصن، سرّحت السلطات البريطانية صالح لقور بن عيدان من جيش الليوي، ودفعت له كامل مستحقاته وحقوقه، فعاد إلى عتق، كما عاد الحاج أحمد لقور من مأرب.
وبعد اقتحام حصن آل لقور وتسليط بريطانيا مشيخة العوالق العليا على عتق وبلاد خليفة، جرى ذلك تحت مسمى مشيخة العوالق العليا، ثم واجهت هذه التسمية رفض أبناء خليفة، فتم تعديل اسم المشيخة إلى مشيخة العوالق العليا وخليفة.
رحلة الحج التي تحولت إلى سجن ومحاكمة
بعد عامين من تلك الأحداث، وتحديداً في عامي 1953 أو1954تقريبا، قرر الحاج أحمد لقور وصالح لقور التوجه إلى الحج. ولأنهما كانا يرفضان حمل وثائق سفر بريطانية، فقد قررا التوجه إلى البيضاء للحصول على توصية من عامل الإمام على البيضاء، السيد محمد عبدالله الشامي، إلى جوازات تعز، من أجل استخراج وثائق سفر لرحلة الحج.
لكن عند وصولهما إلى البيضاء، قام المخبرون بإبلاغ مندوب الإمام، السيد محمد عبدالله الشامي، بوصولهما، فأمر باعتقالهما وإيداعهما السجن، وتقييد أرجلهما بقيود حديدية صعدية.
وبعد أسبوع من سجنهما، مثلا أمام الشامي، وبدأ التحقيق معهما بأسلوب مستفز، وخلاصته: لماذا سمحت لبريطانيا باحتلال بريطانيا واتخذه مركز عسكري في بلاد المسلمين فرد عليه صالح بن عبدالله لقور قائلاً:
«بريطانيا التي تعيرنا بها سبق للإمام يحيى التوقيع على اتفاقية مذلة معها».
وأمر الشامي بوضع قيد حديدي آخر في قدمي صالح بن عبدالله لقور بن عيدان ففعلوا وكان سجينا بقيدين.
وكان ذلك في مدخل رجب 1373هـ، الموافق فبراير 1954، وصدر بحق آل عبدالله لقور بن عيدان حكم جائر بغرامة قدرها 900 ريال فضة، من عملة فرانصة ماريا تريزا، وهو مبلغ كبير جداً في ذلك الوقت، إذ كان الريال الواحد يساوي أجرة عامل عضلي لمدة ثمانية أيام متتابعة، بينما لم تكن أسرة آل لقور تمتلك حتى عشرة في المائة من ذلك المبلغ.
مواقف الوفاء والتكافل في محنة آل لقور
عندما وصل خبر الحكم الجائر إلى حسين لقور، أظلمت الدنيا في وجهه، ولم يدر كيف يتصرف لمواجهة هذا المبلغ الكبير وإنقاذ شقيقيه من السجن.
ونصحه الصادقون من أهل الرأي بأن يرهن بعض أطيان الأسرة الكثيرة، وألا يبيع الإبل أو الأرض التي كانت تمثل مورداً مهماً للأسرة.
وفي شهر شعبان من العام نفسه، تقدم الشيخ عمر بن محمد بن معروف باجمال، وكان رجلاً من أهل الخير والفضل، يمتهن التجارة وجاراً لصيقاً لآل لقور، بمبلغ كبير قدره خمسمائة ريال فرانصة وهي تمثل ثروة كبيرة قلما يمتلكها انسان في ذلك الزمن في عتق. وقال لحسين لقور:
«خذ المبلغ قرض حسن، وسدد على مهلك من مداخيل إبلك أو من ثمار جربتك».
وقد تعرض الشيخ عمر رحمه الله تعالى للوم من بعض آل باجمال، الذين تساءلوا عن سبب تفريطه بهذا المبلغ الكبير، وعدم معرفته متى سيعود إليه، فرد عليهم قائلاً:
«بنادق آل لقور تحمي بيتي وتجارتي».
وكان هذا الموقف تعبيراً عن عمق العلاقة والوفاء بين الجيران، وعن الثقة المتبادلة التي لم تكن تقاس بحسابات المال وحدها.
وهناك رجل فاضل آخر ينبغي ذكر جوده ومعروفه، وهو الفاضل حسن بن سالم الصمي النسي رحمه الله تعالى، الذي كان صديقاً مخلصاً لآل لقور. فقد أخذ الإبل ليرعاها، حتى يتفرغ حسين لقور لشؤون بيته وأهله وأطيانه.
وكان حسن الصمي النسي رسولاً يمشي على قدميه بين عتق والبيضاء، فأخذ المال من حسين لقور وأوصله إلى البيضاء للمسجونين أحمد وصالح.
وبعد وصول المبلغ، تم دفعه إلى الشامي، الذي طلب تقديم ضمان لبقية المبلغ. فقدم السيد محمد عبدالله الهدار، صاحب رباط البيضاء للعلوم الشرعية، الضمان المطلوب.
وبذلك أُفرج عن آل لقور، أحمد وصالح، في نهاية شهر ذي القعدة سنة 1373هـ، بعد محنة السجن والحكم والغرامة.
من اقتحام الحصن إلى كارثة السيول عام 1982
ولبيت آل عبدالله لقور بن عيدان حكاية مريرة أخرى مع الدول والكوارث.
فبعد سنوات من اقتحام الحصن، قام ملاك البيت بتوسعته، وأضافوا إليه دوراً ثالثاً، وبنوا ملحقاً للضيوف مكوناً من دورين مع مرافقه، حتى أصبح المنزل أكبر وأكثر اتساعاً.
لكن يوم الأربعاء 18 أغسطس 1982، هطلت أمطار غزيرة على حوطة عتق وشعاب وادي الحاضنة، وانحدر منها سيل عرمرم أدى إلى هدم بيت آل لقور بالكامل، ولم يسلم منه سوى ملحق الضيوف.
وفي ذلك الوقت حصلت حكومة اليمن الديمقراطية على عشرات الملايين من الدولارات لتعويض المتضررين من السيول، وكان من أبرز من ساهم في تقديم المساعدات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، والملك فهد بن عبدالعزيز، ملك المملكة العربية السعودية.
غير أن آل لقور، لم يستلموا من حكومة عدن دينار واحدا أو دولار تعويضا لهم وهم المتضررين وباسمهم جاءت الأموال سوى خمس خيام وعشرين بطانية مقدمة من الأمم المتحدة، رغم حجم الأضرار التي لحقت بمنزلهم.
القصف الجوي في حرب 1994
ولم تنتهِ معاناة آل لقور عند كارثة السيول؛ فقد أعادوا، بفضل الله، بناء منزل جديد أكبر وأوسع وأكثر حداثة، وعلى مساحة أكبر في موقع البيت السابق.
لكن يوم الاثنين 4 يوليو 1994 نهاية الحرب العدواني اليمنية الظالمة على الجنوب، تعرض المنزل لهجوم من الطيران اليمني بصاروخين، ألحقا أضراراً كثيرة بالأثاث، كما أدى الهجوم إلى تدمير شاحنة نقل كانت موجودة في الموقع.
وهكذا تعرض منزل آل عبدالله لقور بن عيدان، خلال عقود متعاقبة، لثلاث محطات قاسية: اقتحام القوات البريطانية للحصن عام 1951، وتدمير المنزل بفعل سيول عتق عام 1982، ثم استهداف المنزل مجدداً بصاروخي الطيران اليمني عام 1994.
والحمد لله رب العالمين.
كلمة أخيرة
هذه الرواية ليست مجرد سرد لتاريخ منزل أو أسرة، وإنما جزء من تاريخ مدينة عتق وبلاد خليفة، بما يحمله من تحولات سياسية وقبلية وعسكرية واجتماعية، وبما يتضمنه من أسماء وأسر ومواقف وشهادات توارثتها الأجيال.
وتأتي هذه الشهادة في الذكرى الخامسة والسبعين لدخول القوات البريطانية حوطة عتق واقتحام حصن آل عبدالله لقور بن عيدان، وفاءً لذاكرة الآباء والأجداد، وتوثيقاً لما عاشوه من أحداث ومحن ومواقف لا ينبغي أن تضيع من ذاكرة الأجيال القادمة.
شبوة برس