*- شبوة برس – خاص
قبل ثورة 14 أكتوبر 1963م بنحو ثلاثة عقود، خاضت قبائل الصيعر في غرب حضرموت مواجهات مع محاولات فرض النفوذ البريطاني وإخضاع أراضيها لسلطة السلطنات المحلية المرتبطة بالحماية البريطانية. ويبرز في هذه الصفحة التاريخية دور آل ملهي، الذين ارتبط اسمهم بحصن بن ملهي، أحد المواقع التي تعرضت للقصف الجوي البريطاني وفقًا للروايات التاريخية المتداولة.
حصن بن ملهي في مواجهة الطيران البريطاني
تشير روايات تاريخية إلى أن الطيران البريطاني استهدف مناطق في بلاد الصيعر، ومنها حصن بن ملهي وحصن بن رميدان ومواقع أخرى، في سياق المواجهات التي شهدتها المنطقة خلال ثلاثينيات القرن العشرين. ويعكس استهداف هذه الحصون طبيعة الصراع بين القبائل التي تمسكت باستقلال أراضيها وقرارها، والقوى التي سعت إلى إخضاعها وترتيب أوضاعها السياسية بما يتوافق مع مصالح النفوذ البريطاني.
وبحسب مقال للكاتب علوي بن سميط نشرته صحيفة «الأيام» في 29 يوليو 2025، فإن الغارات البريطانية على مناطق الصيعر، ومنها حصن بن ملهي، وقعت خلال الفترة الممتدة بين عامي 1936 و1938م. ويشير ذلك إلى أن المواجهة سبقت اندلاع ثورة 14 أكتوبر بنحو خمسة وعشرين عامًا أو أكثر، وأن رفض الهيمنة الأجنبية في حضرموت له جذور أقدم من الثورة نفسها.
آل ملهي وذاكرة المقاومة في بلاد الصيعر
إن الإشارة إلى حصن بن ملهي ليست مجرد ذكر لموقع جغرافي تعرض للقصف، بل هي استحضار لصفحة من تاريخ بلاد الصيعر، وللدور الذي أدته القبائل وأهل الحصون في مواجهة محاولات فرض السيطرة بالقوة. ويستحق دور آل ملهي أن يحظى بمزيد من التوثيق التاريخي، بما يحفظ أسماء الرجال والوقائع والتفاصيل المرتبطة بهذه المواجهة، ويضعها في مكانها ضمن تاريخ المقاومة في حضرموت والجنوب العربي.
وتذكر روايات أخرى أن المواجهات بين البريطانيين وقبائل الصيعر ارتبطت بمحاولات إخضاع المنطقة لنفوذ السلطنة القعيطية، وأن السلطان علي بن صلاح القعيطي طلب مساعدة البريطانيين في مواجهة رفض القبائل الخضوع لسلطته. كما تورد روايات عن انتقال بعض أبناء الصيعر من المناطق الصحراوية إلى مواقع جبلية، منها الريدة وعقبة عكبان وحجر، لتجنب الغارات الجوية.
وتشير مادة تاريخية منشورة في «ديوان الصيعر ومملكة كندة التاريخية» بعنوان «صفحات من تاريخ الصيعر» إلى اتفاق صلح ارتبط بالمستشار البريطاني هارولد إنجرامس عام 1935م، وتذكر أن الاتفاق تناول استقلالية الصيعر في أراضيهم وعدم تبعيتهم للسلطنات المجاورة، إلى جانب ترتيبات تتعلق بمرور العابرين وإنشاء مركز للتفتيش في منطقة العبر.
كما تناولت مادة منشورة لدى مركز حضرموت للدراسات التاريخية الغارات الجوية البريطانية على مناطق من حضرموت، مستندة إلى ما ورد في كتاب الرحالة والكاتبة فريا ستارك «شتاء في شبه الجزيرة العربية». وتساعد هذه الإشارات في فهم سياق استخدام الطيران البريطاني للضغط على القبائل والمناطق التي قاومت ترتيبات النفوذ آنذاك.
توثيق التاريخ وإنصاف رجاله
ورغم تعدد الروايات بشأن المواجهات واتفاق الصلح، فإن تحديد اليوم الدقيق لقصف حصن بن ملهي يحتاج إلى وثائق تاريخية مباشرة؛ إذ يحدد مقال علوي بن سميط الفترة بين 1936 و1938م للغارات المرتبطة بالحصن، بينما تضع روايات أخرى اتفاق الصلح في عام 1935م، وهو ما يستدعي التمييز بين تاريخ الاتفاق وتاريخ القصف وعدم الخلط بينهما.
ويرى شبوة برس أن توثيق دور آل ملهي وقبائل الصيعر في مواجهة النفوذ البريطاني ضرورة لحفظ الذاكرة التاريخية لحضرموت والجنوب العربي، وإنصاف القبائل التي واجهت محاولات إخضاع أرضها قبل ثورة 14 أكتوبر بعقود. فالثورة محطة مفصلية في تاريخ التحرر، لكنها لم تكن بداية رفض الهيمنة الأجنبية؛ إذ سبقتها مواقف ومواجهات قبلية تستحق البحث والتوثيق وإبراز أسماء أصحابها للأجيال القادمة.
المراجع:
– مقال الكاتب علوي بن سميط، صحيفة «الأيام»، 29 يوليو 2025.
– مركز حضرموت للدراسات التاريخية، مادة عن الغارات الجوية البريطانية على حضرموت.
– ديوان الصيعر ومملكة كندة التاريخية، «صفحات من تاريخ الصيعر».
**الصور من كتاب الرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيجر المعروف بلقب (مبارك بن لندن) عام 1947م**
