مقال مقالات
عنصرية بلسانين.. الميسري والسعدي في مرآة واحدة
كاتب المقال
أ. علي محمد سيقليليست العنصرية دائمًا تصريحًا مباشرًا يحمل ألفاظًا فجة؛ فقد تتسلل أحيانًا عبر مقال سياسي، وتتخفى خلف شعارات الوطنية واستعادة الدولة، ثم تكشف عن وجهها في مفردة واحدة تختزل نظرة صاحبها إلى الآخرين.
في مقاله الأخير، لم يكتفِ السعدي بتأييد الميسري والدفاع عن تصريحاته، بل انزلق إلى استخدام مفردات تحمل إساءة واضحة لأبناء القرى، مستحضرًا نفس تعبيرات وليفه الميسري، وكأن الانتماء إلى القرية عيب، أو أن الجغرافيا التي ينتمي إليها الإنسان يمكن أن تتحول إلى وصمة عار في جبينه!
وهنا يبرز السؤال الذي يبدو أن الكاتب لم يكلف نفسه عناء الإجابة عنه:
"من الغبي الذي أقنعك بأن القرية شتيمة، وأن المدنية صكّ تفوق، وأن الانتماء إلى منطقة بعينها يمنحك حق الانتقاص من الآخرين؟"
أليست القرى هي التي أنجبت رجالًا صنعوا التاريخ، وحملوا السلاح دفاعًا عن أوطانهم، وقدموا العلم والعمل والتضحيات؟ أليست المدن نفسها قد استقبلت أبناء القرى، واحتضنتهم، وكانوا جزءًا من بنائها وحركتها السياسية والاجتماعية؟ فما الذي يجعل القرية فضيلة في سيرة البعض، ثم تتحول إلى تهمة عندما يراد استخدامها ضد خصومهم؟
إن كان المقصود بـ«القروية السياسية» هو ضيق الأفق والتعصب واحتكار الحقيقة، فهذه صفات لا تعرف حدودًا جغرافية، ولا تحتاج إلى بطاقة إقامة في قرية أو مدينة. قد تجدها في أرقى العواصم، كما قد تجدها في تصريح لمسطول رفيع المستوى، أو مقال لسياسي ومطبل طارئ على المهنة، كما قد تجد في أصغر القرى رجالًا أكثر وعيًا ونزاهة ووطنية من أصحاب الخطابات والشطحات ألميسرية المنفوخة بألقاب المدنية والوطنية.
أما أن تتحول هذه العبارة إلى أداة للتقليل من شأن الجنوبيين، والإيحاء بأنهم جماعات لا تستحق تمثيل نفسها أو التعبير عن إرادتها، فذلك ليس نقدًا سياسيًا، بل خطاب إقصائي يختبئ خلف مفردات تبدو سياسية، بينما تحمل في جوهرها نظرة استعلائية لا تليق بمن يزعم الدفاع عن الوطن.
والأغرب أن الكاتب يتحدث عن احتكار التمثيل الجنوبي، ثم يتصرف في مقاله وكأن من حقه احتكار تعريف الوطنية، وتحديد من يمثل الجنوب، ومن يستحق صفة الوطني، ومن ينبغي وضعه في خانة التبعية. فإذا كان احتكار التمثيل عيبًا، فلماذا يصبح مقبولًا عندما يصدر عن قلمك، ومرفوضًا عندما يصدر عن خصومك؟
الجنوب ليس ملكية خاصة لأحد يا سعدي، ولا قضية معلقة على موافقة كاتب خرف أو وزير راعي شطحات وتصريحات فرط صوتية.
ولتعلم أن لأبناء الجنوب حقهم في تحديد مستقبلهم السياسي، والتعبير عن تطلعاتهم، والاختلاف فيما بينهم دون أن يتحول اختلافهم إلى مبرر للتشهير بهم أو الانتقاص من انتمائهم يا هذا.
أما تكرار الحديث عن المشاريع الخارجية والتبعية، فلا يمنح صاحبه حصانة من السؤال عن مواقفه ومعاييره. فالتبعية لا تُقاس بالشعارات التي يرفعها المرء، وإنما بقدرته على اتخاذ موقف مستقل، وقبوله بأن يكون الآخرون أحرارًا في اختيار مواقفهم، حتى عندما تخالف قناعاته.
وإذا كانت تصريحات الميسري، كما يرى السعدي، تعبيرًا عن موقف وطني مستقل، فليدافع عنها بالحجة، وليترك للآخرين حق مناقشتها ونقدها. أما تصوير كل معارض على أنه تابع، وكل مختلف على أنه أداة، وكل جنوبي لا يوافق الكاتب على موقفه بأنه جزء من مشروع مشبوه، فهذه ليست لغة رجل واثق من حجته، بل محاولة لإغلاق باب النقاش قبل أن يبدأ.
ثم إن الحديث عن استعادة الدولة لا يجيب وحده عن سؤال جوهري: أي دولة نريد؟ وما موقع القضية الجنوبية في مستقبلها؟ وهل تكون الدولة المنشودة إطارًا للعدالة والشراكة والحقوق المتساوية، أم مظلة يُطلب من الجنوبيين تحتها تأجيل قضيتهم حتى يصل بنا الميسري إلى صنعاء، والتنازل عن إرادتهم، وانتظار ما يقرره الآخرون نيابة عنهم؟
هذه أسئلة سياسية مشروعة لا تسقطها خطابات التخوين، ولا تجيب عنها المبالغات في وصف المواقف الوطنية.
أما الاستقواء بمفردات من قبيل «أسيادهم» و«الذباب الإلكتروني» وسواها من التعبيرات التي تملأ المقال، فلا يصنع حجة سياسية، ولا يرفع مستوى النقاش. فحين تضيق مساحة البرهان، تتسع أحيانًا مساحة الأوصاف، ويصبح الاتهام بديلًا عن الدليل، والتجريح بديلًا عن الحوار.
والأشد غرابة أن من يعيب على الآخرين انتماءهم إلى القرى، أو يوظف هذا الانتماء في سياق السخرية والانتقاص، متجاهلا أن القرية ليست هوية منقوصة، وأن أبناء المدن والقرى سواء في الكرامة والحقوق. ومن كانت له جذور ريفية، أو جاء أسلافه من قرية، فلا ينتقص ذلك من شأنه؛ إنما ينتقص منه أن يتخذ من جذور الآخرين مادة للسخرية، وكأنه نسي القرية الذي جاء منها.
يا سعدي..
لسنا في حاجة إلى محاكمة أصول الناس، بل إلى محاكمة أفكارهم ومواقفهم. ولسنا مضطرين إلى إثبات مدنيتنا لمن يتخذ من المدنية لقبًا يمنحه لنفسه ويحجبه عن خصومه. فالمدنية سلوك، والوطنية موقف، والرقي احترام للإنسان، لا شهادة توزعها من كيسك على من يوافقك الرأي وتحجبها عمن يخالفك.
يا عبد الكريم السعدي، تستطيع أن تختلف مع شئت، وأن تنتقد المجلس الانتقالي، وأن تعارض أي مشروع جنوبي أو يمني، فهذا حقك. لكن ليس من حقك أن تجعل خلافك السياسي مبررًا للإساءة إلى الجنوبيين، أو أن تستخدم القرية كشتيمة، ثم تتحدث عن الوطنية وكأنها امتياز حصري لفريقك العنصري بامتياز.
فالذي يحتقر القرية لا يصبح مدنيًا، والذي ينتقص من الجنوبيين لا يصبح وطنيًا بمجرد ترديد شعارات الدولة، والذي يوزع صكوك الوطنية على الناس لا يثبت بذلك وطنيته، بل يكشف عن أزمة نفسية في فهم معنى الوطن والمواطنة.
الوطن أكبر من مقالات التعبئة، والجنوب أكبر من أن يُختزل في خصومة مع كاتب أو تأييد لوزير، والناس أكبر من أن تُقاس كرامتهم بمكان ولادتهم أو بمدى انسجامهم مع مزاج هذا الكويتب أو ذاك.
أما القرية، فليطمئن السعدي: لن تهتز مكانتها لأن أحدًا استخدم اسمها في سجال سياسي، ولن تصبح تهمة لأن قلمًا نشازا قرر أن يستحضرها في غير موضعها. العيب ليس في القرية، بل في العقل الذي لا يجد وسيلة للانتقاص من خصمه إلا أن يذكّره بأصله.
فالقرية لا تُعيب أحدًا؛ الذي يعيب صاحبه حقًا أن يخرج من القرية، ثم يتعامل مع جذور الآخرين وكأنها عار.
وسلامتك،،،
قروي مقيم في عدن
*- أ. علي سيقلي