“فجر اليمن”.. فخ الاستنزاف وصخرة الاستقلال

الاستحواذ على الجنوب أولاً.. وبعدها عنفكر
يكشف التمحيص في تصريحات النخب السياسية والمشايخ المحسوبين على معسكر “الشرعية الافتراضية” عن حقيقة صادمة؛ فالقناعة المترسخة لدى هؤلاء الساسة لم تعد تدور حول إسقاط الانقلاب الحوثي في صنعاء أو استعادة الجمهورية المنهوبة، بل أصبحت تتمحور حول كيفية إدارة الفشل، وتحويل العمليات العسكرية المزعومة —مثل “فجر اليمن”— إلى مجرد أدوات استعراضية وفقاعات سياسية لتحسين شروط التفاوض والوظيفة على طاولة التسوية القادمة. وتبرز المفارقة الكبرى في إصرار هذا المعسكر المهزوم سيكولوجياً على تجميد جبهات اليمن الحيوية في مأرب والجوف وصعدة، وربط أي تقدم ميداني بالتخلص أولاً من القوات والتوجهات الجنوبية، في إشارات مبطنة وترجمات واضحة لرغبتهم الدفينة في الاستحواذ على جغرافيا الجنوب وثرواته وموانئه الحيوية والنفطية، ولكن بدون شعبه وقواته الحرة التي ذادت عن الأرض والعِرض.

تتحرك العقليات المهيمنة على القرار في شتات مايسمى “الشرعية” وفق حسابات منقسمة بين الاستسلام للواقع الحوثي والتربص بالحليف الأرضي؛ حيث يعتقد أن إعلانهم الأخير جاء بضغط وإجبار خارجي لتلبية رغبات إقليمية، بينما يعترف كبار قادتهم علناً بأن الغاية النهائية هي “إجبار الحوثي على الجلوس للتفاوض فقط!”. هذا السلوك يعري زيف شعارات استعادة مؤسسات الدولة، ويكشف عن استعدادهم لمقايضة السيادة مقابل حصة وظيفية في نفوذ مشوه يديره “عبد الملك الحوثي”، شريطة الإبقاء على وصايتهم التاريخية على منابع النفط والغاز في الجنوب التي يرونها غنيمتهم الخاصة. ومن هنا يتحول دفع القوات الجنوبية نحو معارك استنزاف مكشوفة وبعيدة في جبال اليمن إلى فخ عسكري مضمر يهدف لإنهاكها وتجريدها من عناصر قوتها الميدانية.

إن هذا الإصرار على خسارة المعركة والهروب من مواجهة الحوثي ما لم يمر عبر تصفية القضية الجنوبية، يصطدم اليوم بصخرة صلبة من الوعي الشعبي والعسكري الجنوبي المتماسك. وإزاء هذه الانتهازية السياسية التي تتدثر برداء الجمهورية وتتحين الفرص لتقديم صكوك الولاء لـ “الحوثي الأكبر” شماتةً بالشركاء، فإن كل هذه الحسابات والاتفاقات تحت الطاولة محكومة بالفشل الذريع؛ فقد عقد شعب الجنوب الأبي بقواته المسلحة ومقاومته الباسلة العزم الأكيد والنهائي الذي لا رجعة عنه على نيل استقلاله الكامل وحريته وبناء دولته الفيدرالية المستقلة على كامل ترابه الوطني. لن تفلح الأعذار السخيفة للهاربين من الزحف نحو صنعاء في زحزحة مقاتل جنوبي واحد عن مترسه، فموازين القوى على الأرض صيغت بدماء الشهداء الأبرار وتضحيات الأحرار، وشعب الجنوب سيمضي في مشروعه التحرري شاء من شاء وأبى من أبى، تاركاً لنخب الفنادق عار الأعذار وتبعات الاستسلام الخنوع.