يخطئ واهمو الصالونات السياسية ورواد مقاهي العواصم الإقليمية إن ظنوا أن ثوراة الشعوب وطموح الأمم تُدار بقرارات معلبة أو بيانات تُصاغ خلف الغرف المغلقة. إن الحملة الممنهجة والمسعورة التي يشنها الذباب الإلكتروني وأبواق القنوات الفضائية المأجورة ضد الجنوب العربي، مستغلةً خلافاتها السياسية مع المجلس الانتقالي الجنوبي، تكشف عن عجز فاضح وفجور حقيقي في الخصومة؛ إذ يخلط هؤلاء -عمدًا أو غباءً- بين المكونات السياسية وبين قضية شعبٍ حيّ هدرت دماؤه في الساحات والميادين.
إن الخلاف السياسي مع المجلس الانتقالي، أو انتقاد خطاب رئيسه، أو التوجس من راية رُفعت فوق مدرعة عسكرية دمرت المشروع الحوثي، لا يمنح أي جهة -مهما تدثرت بعباءة الشرعية أو التحالفات- الحق في معاداة شعب الجنوب أو التمادي في معاقبته خدمياً واقتصادياً. المجلس الانتقالي لم يكن يوماً مجرد حزب ينتهي بجرّة قلم في الرياض، بل هو ثمرة نضال طويل للحراك الجنوبي والمقاومة الباسلة، ويمثل طيفاً واسعاً من المجتمع الجمعي الذي التفت حوله كحامل سياسي لحماية مكتسباته من جحافل الغدر والالتفاف، ومحاولة اختزاله في شخص أو منطقة هي مغالطة سياسية بائسة تسقط أمام وحدة الهدف والمصير التي تجمع أبناء الجنوب كافة.
قضية الجنوب العربي ليست ورقة للمساومة على طاولة تسوية إقليمية، ولا هي هبة تُمنح أو تُسحب برغبة هذا الطرف أو ذاك. إنها قضية وطنية عادلة لشعب تعرض للإقصاء والتهميش والنهب الممنهج منذ صيف 1994، ويقدم قوافل من الشهداء والجرحى لتطهير أرضه وتأمين ممرات الملاحة الدولية في باب المندب وميون من التمدد الإيراني، في وقت كانت فيه جبهات أدعياء قوى اليمن تتساقط كأوراق الخريف. هذا التلازم بين الأرض والسيادة والدم هو الذي يمنح القضية حصانتها القانونية والأخلاقية، ويجعل من استحقاق تقرير المصير أمراً غير قابل للالتفاف أو التأجيل تحت أي مبررات واهية.
ليعلم القاصي والداني، ومن يقفون خلف تلك الحملات المغرضة، أن إرادة الشعوب لا تُكسر بالضجيج الإلكتروني أو الضغوطات السياسية المصطنعة، وأن محاولات فرض الوصاية وتمرير مشاريع سياسية مشبوهة تتجاوز الواقع الميداني ستتحطم على صخرة الوعي الجمعي. شعب الجنوب اليوم بقواته المسلحة الصامدة على الأرض وبحاضنته الشعبية الصلبة من المهرة إلى باب المندب، قد تجاوز مرحلة الوصاية، وهو ماضٍ بخطى ثابتة ومدروسة نحو تحقيق هدفه الأسمى في تقرير مصيره واستعادة دولته الفيدرالية المستقلة كاملة السيادة؛ شاء من شاء وأبى من أبى، ولن تتوقف هذه المسيرة النضالية أمام أي حملات إعلامية مضللة عجزت عن مواكبة المتغيرات على الأرض وحقائق التاريخ.
