جمهورية “المتفرجين”.. كيف تفحص “حوثيك الصغير” تحت لافتة الوحدة؟

من عجائب الدهر في المشهد اليمني، أن تجد مناضلاً يرتدي بدلة أنيقة في فنادق عواصم الإقليم، أو يجلس مسترخياً في غرف عمليات جبهات مأرب والجوف وصعدة “النائمة”، ثم ينتفض فجأة حاملاً قلم الليزر ليشير بغضب نحو الساحل الغربي: “احذروا.. هناك نزعة انفصالية في جبهة فجر اليمن!”.

يا للمصيبة الكبرى! القوات الجنوبية تقاتل وتنزف وتقدم قوافل الشهداء لتطهير الأرض من المد الحوثي، بينما “جهابذة المقاومة الفندقية” يعانون من مغص وطني حاد؛ لأن لافتة الجبهة لم تُكتب بالخط النسخي الوحدوي الذي يروق لأمزجتهم الحزبية.

هؤلاء القوم صاغوا أحدث نظرية عسكرية في التاريخ: “الهروب إلى الخلف بداعي الحفاظ على الوحدة”. يتفرجون على بيوتهم وغرف نومهم التي تحتلها الميليشيا، وينظرون إلى جمهوريتهم المنهوبة كأنها مباراة كرة قدم ينتظرون نتائجها من الجمهور، لكنهم يشترطون أولاً ألا يسجل الأهداف مقاتل يحمل هوية جنوبية، وإلا فالهزيمة بكرامة “وحدوية” أفضل بكثير!.

الحقيقة التي لا تحتاج إلى مبرر، هي أن هذه الأعذار السخيفة ليست سوى “صوت الحوثي الصغير” الكامن في سرائرهم. هذا المخلوق المجهري المسيطر على عقلياتهم، يهمس في آذانهم كلما اقتربت ساعة الصفر: “لا تشاركوا، فالجنوبيون انفصاليون”. إنه حوثي مضمر، يتحين الفرصة ليكبر، ويتغذى على أموال الدعم السخي التي تدفعها السعودية، والذين يظنون -واهمين- أنهم يمولون جيشاً لتحرير صنعاء، بينما هم يمولون في الواقع جمعية خيرية لإعادة تدوير الأعذار وتهريب الولاءات.

من يعجز عن حماية غرفة واحدة في بيته، ومن يستنكف عن خوض معركة استعادة كرامته بمتلازمة “الجنوب”، ليس متقاعساً فحسب، بل هو شريك مضمر في التمرد، وعدو مستتر برداء ما يسمى ” الشرعية”. هؤلاء يبحثون عن الفشل حيثما كان، وإذا انقشعت الغمة غداً، سيكونون أول من يقدم صكوك الولاء لـ “الحوثي الأكبر” شماتةً بالجنوب والسعودية، ليرددوا بوقاحة: “المهم أن الوحدة بخير.. والجمهورية في الحفظ والصون تحت عباءة السيد!”.