مقال مقالات
لا تسأل الثعلب عن حرمة الدجاج
كاتب المقال
عيدروس المدوريتتجسد عبقرية الأمثال والمجازات الشعبية في قدرتها على اختصار مجلدات من الفلسفة في صورة بصرية واحدة لا تُنسى لعل مقولة إذا تعلّمت الدِّين من الثعلب فسوف تعتقد تدريجياً أن سرقة الدجاج فضيلة تُعد واحدة من أعمق التفاسير لآلية تشكيل الوعي البشري إنها ليس مجرد سخرية لاذعة بل هي تشريح علمي وعملي لكيفية انحراف المفاهيم الكبرى وتزييف الحقائق وتحويل الرذيلة إلى فضيلة تحت وطأة التلقين الممنهج .
الإنسان بطبعه كائن متعلّم ومقلّد وتعتمد مرجعيته الأخلاقية والفكرية إلى حد كبير على من تختاره معلماً وقُدوة وحين يكون المعلم هو الثعلب ذلك الكائن الذي ترتبط هويته وبقاؤه بالمكر والافتراس فلا يمكن أن ينتظر منه المتعلم درساً في العفة أو الأمانة .
الثعلب لن يمنحك درساً في حرمة التعدي على ممتلكات الآخرين او حقوقهم بل سيبدع في إقناعك بأن سرقة الدجاج ليست جريمة بل هي مهارة ذكية ونجاح استثنائي بل وربما فريضة وجودية تستحق التقدير .
إن الخطر الأكبر لا يكمن في وجود الأشرار أو المستفيدين فحسب بل في قدرتهم على إعادة صياغة المفاهيم لخدمة مصالحهم الخاصة فعندما تُختطف القيم وتوضع في أيدي أصحاب الأجندات الضيقة يحدث الآتي :
1- تطبيع الخطأ يتحول المنكر بمرور الوقت إلى عُرف مألوف ثم إلى قانون أخلاقي يُدافع عنه .
2- قلب الموازين يصبح الحق باطلاً والباطل حقاً ويُحارب الشريف باعتباره ساذجاً أو جاهلاً بقواعد اللعبة .
3- غسيل الوعي لا يُلزم المخادع ضحيته بقبول الخطأ بالقوة بل يجعله يقتنع تدريجياً وبملء إرادته بأن الخطأ هو الصواب بعينه .
إن العبرة الكبرى من هذه الصورة البليغة تكمن في أهمية الوعي باختيار المصادر والمرجعيات . فالبوصلة الأخلاقية إذا فسدت أصبح السير في الاتجاه الخاطئ يبدو وكأنه مسير مظفر نحو القمة .
لذا فإن السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه كل إنسان على نفسه قبل أن يسلم عقله وقلبه لأي فكر أو قدوة أو تيار هو من هو معلّمي؟ وما هي مصلحته من ورائي؟
فحين تختار مصادرك بعناية وتتحرر من سطوة أصحاب المصالح تعود الأمور إلى نصابها الطبيعي يعود الحق حقاً وتعود سرقة الدجاج جريمة بغض النظر عن براعة الثعلب في تزيينها .