تخطَّ إلى المحتوى
اشترك

آخر الأخبار

شبوة برس
اشترك

مقال مقالات

(حُفَّاظ لا علماء).. "ابن عثيمين مثالًا"

كاتب المقال

فيصل بن ماجد السبيعي

إنَّ مِن أعجب ما رأيناه - ونراه - أن يُطلَقَ على كل من أَسرف في حفظ المتون حتى امتلأ عن آخره، ثم بات يرددها ترديدًا لا نقد فيه ولا مراجعة، بَلْهَ رَدٍّ أو رفض؛ أن يُطلق عليه ليس - فقط - لقب عالم ولا علَّام؛ بل علَّامة، أي بصيغة مبالغة المبالغة!

وأختار للتمثيل على ذلك محمد ابن عثيمين، الذي دَرَّس في كلية الشريعة وأصول الدين بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم مدةً نافَت على العقدين من الزمان، دون شهادةٍ عليا تخوِّله التدريسَ في الجامعة في ما أعلم، وقد يكون مستثنًى من هذا الشرط، ولا نقف كثيرًا عند هذه المسألة. أقول إنني أختاره مثالًا على ذلك، وأختار - أيضًا - مثالًا على أنه كان أحد الحُفَّاظ لا العلماء، فضلًا عن أن يكون علَّامة.

والمثال هو أنه سُئلَ عن حكم ترك العقيقة (وهي ما يُذبَح من بهيمة الأنعام شكرًا لله على نعمة الولد)، وقد استدل السائل بحديثٍ قيل إن الرسول ﷺ قال فيه: «كلُّ غلامٍ مرتهَنٌ بعقيقته».

وكان المتوقَّعَ أن يقول ابن عثيمين – مثلًا -: «لا بأس بذلك؛ فهي سنَّة». غيرَ أنه لم يُجب من عقله وفكره وعلمه؛ بل ذكر قولين لمن سمَّاهم «أهل العلم». وهذا مصطلحٌ فضفاضٌ لا تتبين معه الحقيقة؛ فمن هم أهل العلم؟ ولماذا صاروا أهلَ علم؟ ولماذا تُعَدُّ أقوالُهم قرآنًا لا يُنتقَد ولا يُناشُ بكلمة؟

ثم إنه لم يَنقُد ذَينِكم القولين؛ وإنما اختار أحدهما، ولم يرجع في ذلك إلى القرآن الذي نفى شفاعة الولد لوالده. وكلا القولين يَنُمُّ عن بُعدٍ مُخْزٍ عن الكتاب المجيد.

فالقول الأول أن من لم يُعَقَّ عنه فهو «محبوسٌ عن الشفاعة لوالديه يوم القيامة»! ونحن نقف بكل جَرَاءةٍ وثقةٍ في وجه «أهل العلم» أولئك، ونسائلهم بقوة: من قال لكم إن الولد - ذكرًا كان أم أنثى - سيشفع لأبويه يوم القيامة؟ وما المكانة التي خوَّلته أن يكون شفيعًا؟ وعلى قولكم فإن جميع المسلمين من أتباع محمد ومن أتباع الأنبياء والرسل من آدم إلى محمد، عليهم جميعًا الصلاة والسلام؛ شافعون ومشفوعٌ لهم، فهم أبناءٌ وبناتٌ وآباءٌ وأمهات!

وكيف غفل «أهل العلم» عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئا﴾ [لقمان: 33]؟ وعن قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُون﴾ [المؤمنون: 101]؟ وعن قوله عزَّ من قائل: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ۞ وَأُمِّهِ وَأَبِيه﴾ [عبس: 34-35]؟ فأين الشفاعة والناس قد فرُّوا من آبائهم وأمهاتهم؟

ثم إن الشفاعة واسطة، والواسطة ممتنعة على عدل الله، أما الشفاعة التي ذكرها القرآن فلا يمكن أن تكون نافعةً لأحدٍ لم يعمل، قال مَن قولُهُ الفصل: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39].

ولكن ماذا نقول؟ لقد ظهرت أعراض بني إسرائيل على بعض هذه الأمة؛ بتقديس من يُسمَّون «العلماء»، وباطِّراح كتاب الله ونبذه وراء الظهور، والنظر إليه لا بوصفه خيارًا أوَّلَ بل ثانيًا، ومُستأنَسًا به لا مصدرًا رئيسًا مهيمنًا على ما سواه، وحقيقًا بأن يُرَدَّ إليه غيره لا أن يُرَدَّ هو إلى غيره. ونحن نقرأ بكل أسًى قول الحق تبارك في عليائه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30].

ونستمر مع «نقل» ابن عثيمين وحِفظِه؛ حيث قال إن لـ«أهل العلم» قولًا آخَرَ في العقيقة، وهو أن لعدم ذبحها عن الولد تأثيرًا سلبيًّا على انطلاقه في أمور دينه ودنياه وانشراح صدره، وفي ذلك إصابةٌ له بحالٍ نفسية! وأيَّد هذا القولَ دون أن يبين سبب التأييد والترجيح.

وكما فعلنا مع الرأي الأول فإننا رادُّو هذا القول أيضًا؛ لأن العقيقة سنَّة، والسنَّة لا يترتب على تركها إثمٌ ولا ضرر. ولو كان في تركها ضررٌ يَلحق الأولادَ ما تركهم الله ﷻ يتضررون وهم لا يعلمون السبب، ولَبَيَّنَهُ في كتابه المجيد.

ثم تعالوا نقُمْ برحلتين عاجلتين: الأولى إلى بلاد المسلمين في إفريقيا وآسيا، وخاصةً بلدان الفقر المدقع، حيث مئات الملايين ممن رأسُ مال أحدهم عنزٌ يحلبها وينتفع بها، وهم كثيرو الإنجاب للأطفال (ولا أعلم لماذا!)، وعلى قولكم فقد وجب على كلٍّ منهم أن يذبح شاتين عن كل ولدٍ ذكر، وهو عِبْءٌ لا يطيقه من لا يملك إلا عنزًا واحدة. فهل معنى ذلك أن أولادهم «لن ينطلقوا في الحياة دنيا ودينًا، ولن تنشرح صدورهم، وسيصابون بأمراضٍ نفسية»؟ وهل الواقع يؤيد هذا الكلام أم يَنقُضُه؟!

أما الرحلة الثانية فإلى بقية بلاد العالم شرقيِّه وغربيِّه، ممن يسكنها قومٌ غير مسلمين لا علاقة لهم بالعقيقة من قريبٍ ولا من بعيد؛ فهل أولادهم - أيضًا - سيعانون ما سيعانيه أبناء فقراء المسلمين من عدم الانطلاق في الحياة وانشراح الصدر والإصابة بالأمراض النفسية؟! وهل الواقع يؤيد ذلك أم يَنسِفُهُ نسفًا؟!

والسؤال الذي ختمت به الفقرة السابقة موجَّهٌ لكل من يَرِمُ أنفه وتنتفخ أوداجه ويحمرُّ وجهه وتجحظ عيناه ويُزبِد فمه؛ كلما انتقد كاتبُ هذه السطور - أو غيرُه - بعضَ أقوال «أهل العلم»، نازعًا عنهم هالة التقديس، ومحاكِمًا أقوالَهم في رحاب محكمة القرآن الواضح والعقل الراجح، وهي محكمةٌ لا تَحِيصُ عن الحقِّ قيد شعرة.

معرض الصور

شارك: واتساب تيليجرام إكس فيسبوك

مواد ذات صلة