إنطلقت العمليات العسكرية الحالية تحت شعار الحسم، لكن القراءة الحقيقية لخرائط المواجهة تكشف عن واقع مأزوم يهدد بفشل المعركة بأكملها. لا يمكن لعجلة النصر أن تدور بجناح واحد؛ فبينما تتحمل القوات الجنوبية بمختلف تشكيلاتها —من ألوية عمالقة وأحزمة أمنية ومقاومة— الثقل الأكبر في ميادين الشرف وتخوض معارك استنزاف وتقدم حقيقي في مواقع متعددة، تقبع جبهات ومحاور عسكرية أخرى في وادٍ سحيق من الركود والجمود الاستراتيجي المفضوح.
إن اليد التي توضع على الجرح النازف اليوم تشير بوضوح إلى جبهات مأرب والجوف وتعز والبيضاء وصعدة. هذه الجبهات التي تمتلك مخازن من العتاد العسكري الهائل والكتل البشرية الضخمة فضلت ألا تقاتل بالمستوى المطلوب. السبب ليس ضعفاً في القوة، بل أزمة ثقة مستحكمة وحسابات حزبية ضيقة وأجندات بينية بين الأطراف المهيمنة عليها والجهات الإقليمية. لقد تحولت هذه المحاور من منطلقات للتحرير إلى أوراق ضغط سياسي ومربعات لتأمين النفوذ المستقبلي، حيث بات التوجس من الشريك المفترض في خندق المواجهة يفوق الخشية من العدو الحقيقي. وفي المقابل، تلاشت تماماً تلك الكيانات والشخصيات الصوتية التي تصدرت المشهد الإعلامي من الخارج، وأثبت الواقع أن “مقاومة الفنادق والاستثمارات” لم تكن سوى ظاهرة صوتية بلا رصيد على الأرض.
الاستمرار في هذه المعركة بذات الآلية والتشتت يجعل من النصر أمراً مستحيلاً عسكرياً وعملياً. الحوثي يستثمر هذا التجميد البيني لتركيز قوته الضاربة في المحاور المشتعلة مستغلاً شلل الجبهات الأخرى. لم يعد هناك متسع للمواقف الرمادية أو التبريرات الدبلوماسية؛ فالمرحلة المصيرية تتطلب مغادرة مربع المداهنة. الخطوة الحتمية اليوم هي وضع تلك القوى المعطلة أمام خيارين لا ثالث لهما:
- إما الامتثال لقرار عسكري موحد وفرض فتح مسارات هجومية شاملة ومتزامنة لتشتيت العدو.
- أو نزع الغطاء السياسي والشرعي عنها واعتبارها جهات معرقلة وأطرافاً معادية تسعى لخدمة أجندات الخصم بشكل غير مباشر.
إن المعركة الحالية لا تقبل نصف موقف، فالصمت عن العرقلة هو خيانة لدماء الشهداء في الجبهات المشتعلة.
