معادلة الجنوب الصعبة بين بندقية الأرض وقيد السياسة

لم يكن “اتفاق الرياض” ببنوده وملاحقه مجرد وثيقة سياسية بين سلطة شرعية ومكون جنوبي، بل كان محاولة إقليمية ودولية لضبط إيقاع التوازنات فوق أرض تموج بالتحولات. واليوم حين يتردد في الأوساط السياسية صدى تعابير حادة بوصف ما جرى من ترتيبات لاحقة وضغوط بـ “تصفية الاتفاق” أو تجاوز هيكليته، فإن المشهد يتطلب قراءة عميقة تتجاوز القشور وتنفذ إلى جوهر الإستراتيجية العسكرية والوعي الشعبي في جنوب اليمن.

إن الإعلان الصادم في يناير 2026 من العاصمة السعودية بشأن حل المجلس الانتقالي، والذي قوبل برفض واسع من القواعد والقيادات الميدانية في الداخل، لم يكن مجرد حدث عابر، بل مثّل لحظة اصطدام حقيقية بين “الإرادة الشعبية” و”الترتيبات المفروضة”. ومع ذلك، أثبتت الأيام أن البندقية الجنوبية لم تنكفئ، ولم تتراجع عن خطوط النار؛ بل ظلت حاضرة بقوة في جبهات القتال، مسطرةً نموذجاً فريداً في الفصل بين العتب السياسي والواجب الوجودي.

هذا الحضور العسكري الجنوبي في معركة الخلاص ضد المليشيات الحوثية لا ينطلق من التبعية لمنظومة “الشرعية”، بل يتأسس على ركيزتين سياديتين:
أولاهما – حماية الجغرافيا والهوية الجنوبية في مواقع إستراتيجية كباب المندب وجزيرة ميون وجبال كهبوب، حيث يُصنف أي تمدد حوثي هناك كعدوان مباشر واحتلال للأرض.
وثانيهما – استئصال الخطر العقائدي الدخيل ورفض نظرية “التفويض الإلهي” المزعومة التي تحاول جماعة الحوثي فرضها كذراع للمشروع الإيراني في المنطقة.

وعلى ضفة الوعي السياسي يتجلى نضج لافت لدى النخبة والشارع في الجنوب؛ إذ يدرك الجميع بوضوح معقدات “الوصاية الدولية” والقيود القانونية الصارمة المفروضة على التحالف العربي بموجب قرارات مجلس الأمن (وعلى رأسها القرار 2216) التي تلزمه بحفظ وحدة اليمن طالما أن الحرب قائمة. هذا الفهم الواقعي يعي أن استعادة الدولة واستقلال الجنوب ليسا رهن أمنيات تُفرض في زمن الحرب، بل هما استحقاق مؤجل يتطلب تحصين المكاسب على الأرض، وإدراكاً عميقاً بأن تفكيك المشروع الحوثي هو الخطوة الإجبارية الأولى لتشكيل خارطة توازنات جديدة.