لم تعد المسألة في اليمن بحاجة إلى براهين عسكرية لإثبات المؤامرة، بل باتت شواهد الميدان تطرح أسئلة كبيرة؛ الحوثي لا ينتصر بقوته الخارقة، بل يستفيد من حالة التجزئة والصمت المفروض على الجبهات الأخرى. من منظور تكتيكي بحت يعلم أصغر ضابط عسكري أن تشتيت العدو على جبهات متعددة هو أقصر الطرق لإنهاكه، لكن ما يحدث في مسرح العمليات اليمني هو العكس تماماً: يُمنح الحوثي الوقت الكافي ليتفرغ لجبهة تلو الأخرى مستفرداً بها حتى تتراجع وسط صمت مريب ومطبق من بقية المحاور.

لقد تجلى هذا السيناريو الفاضح في التطورات المتسارعة على جبهات الساحل الغربي مؤخراً، ويتكرر اليوم في تعز التي تُركت تواجه مصيرها وحيدة تحت قصف الهجمات والحصار الخانق. السؤال المحير الذي يفرضه هذا الواقع: كيف لجبهات مأرب والجوف وصعدة والبيضاء، التي تضم عشرات الآلاف من المقاتلين والعتاد الثقيل، أن تظل في موقف المتفرج السلبي؟

الجواب لا يكمن في «الغباء العسكري» كما يظن البعض، بل في حقيقة أن القرار العسكري اليمني تحكمه حسابات سياسية وعسكرية معقدة، وتتداخل فيه الاعتبارات المحلية والإقليمية والدولية. إن القوى المؤثرة في الملف اليمني لا تدير المعركة بهدف الحسم العسكري وحده، بل تتعامل مع الأزمة ضمن حسابات متعددة، بما يضمن حماية المصالح والأمن الإقليمي والدولي، وهو ما ينعكس على مسار العمليات وتوقيتاتها.

تتحرك هذه القوى وفق ثلاثة أهداف رئيسية تفرضها طبيعة المشهد:

أولاً ـ الحفاظ على تفاهمات التهدئة الإقليمية وتأمين المصالح الخاصة بالدول، مع السعي إلى تجنب توسع الصراع وانعكاساته على أمن المنطقة.

ثانياً ـ بقاء المكونات المناهضة للحوثي في حالة من التباين وتعدد الأولويات والولاءات والتمويل، بما يحد من قيام غرفة عمليات مشتركة حقيقية تمتلك قرار السلاح والذخيرة.

ثالثاً ـ استخدام الجبهات كأوراق ضغط سياسية على طاولات التفاوض الدولية، حيث تتحول التطورات الميدانية إلى عناصر مؤثرة في صياغة أي تسوية سياسية مقبلة.

إن ترك جبهة تعز اليوم منفردة، بعد التطورات التي شهدتها جبهات الساحل بالأمس، يطرح تساؤلات سياسية وعسكرية مشروعة. فاستمرار هذا الوضع يعكس أن الحرب في اليمن تحولت من معركة عسكرية واضحة الأهداف إلى أزمة مركبة تتداخل فيها الحسابات السياسية والميدانية، وتتنافس فيها أولويات متعددة، بينما يواصل الحوثي الاستفادة من حالة الانقسام والتباين بين خصومه، مستفيداً من أي فراغ أو ضعف في التنسيق بين الجبهات.