تخطَّ إلى المحتوى
اشترك

آخر الأخبار

شبوة برس
اشترك

مقال مقالات

فخ جنيف: شرعنة الميليشيات بغطاء قبلي

كاتب المقال

عبدالله سعيد القروة

في مفارقة سريالية تعكس عمق التيه الدبلوماسي الدولي، احتضنت العاصمة السويسرية جنيف ﴿معقل الحداثة والقانون الدولي﴾ اجتماعاً لقرابة مئة من الوجاهات والشيوخ لإطلاق ما سُمي بـ "ميثاق الشرف القبلي اليمني". هذا المشهد لم يكن مجرد ردة حضارية استبدلت مؤسسات الدولة الحديثة بكيانات ما قبل الدولة في أروقة الأمم المتحدة، بل مثل فخاً سياسياً مكتمل الأركان يهدد الهوية السيادية لليمن ويسير بخطى متسارعة نحو شرعنة الميليشيات.

تكمن الدوافع الحقيقية وراء إشراك عناصر محسوبة على جماعة الحوثي، ووصول مشاركين من طهران وصنعاء، في رغبة المنظمين الدوليين بتخليق "واقع سياسي جديد" يتعامل مع اليمن بمنطق "سلطات الأمر الواقع". وتكمن الكارثة الحقيقية في الصياغة الفضفاضة للميثاق، والتي تعكس نهجاً دولياً وأممياً متعمداً لتمييع الحقائق؛ فحين يُطالب النص "جميع الأطراف" بحماية المدنيين بلغة عامة، فإن السياسة الدولية هنا تعمل بوعي على إيجاد مخرج قانوني للمليشيا الحوثية. هذا التمييع المقصود يذيب المسؤولية الجنائية المباشرة عن الطرف الأساسي المسؤول عن زراعة ملايين الألغام، وتفجير المنازل، وحصار المدن. إنها هندسة دولية واضحة لتحويل الجرائم الممنهجة ضد الإنسانية إلى مجرد "تجاوزات نزاع" تُسوى بأعراف تقليدية، ما يمنح المنظمات الأممية والشركاء الدوليين ذريعة لتطبيع العلاقات مع الميليشيات ودمجها كفاعل شرعي على حساب العدالة ودولة القانون.

أما عن مآلات هذه اللقاءات فهي لا تتجاوز حدود "السياحة السياسية" وتبرير إنفاق ميزانيات المنظمات المانحة. فالمدني المحاصر في الداخل اليمني لا ينتظر حماية من شخصيات تعيش في عواصم الشتات، عجزت في الأصل عن حماية أنفسها وفقدت أي امتداد أو تأثير فعلي على الأرض. إن استدعاء الرموز القبلية المسيسة "التي لا علاقة لأغلبها بالعرف القبلي الأصيل" وتصديرها في منصات أممية، يمثل إعلاناً ضمنياً بـ "الشرعنة الزاحفة" للميليشيات، والالتفاف على المرجعيات الدولية والقرارات الأممية، والتأسيس لكانتونات هشة وممزقة.

شارك: واتساب تيليجرام إكس فيسبوك

مواد ذات صلة