صنعاء بعيدة.. على من لا يملك مفتاح هاتفه

*إحتكار الاتصالات في اليمن:*

يكشف العجز المستمر عن فك الارتباط بمنظومة الاتصالات المركزية في صنعاء طوال أكثر من عقد من الزمن عن خلل بنيوي عميق في أداء مايسمى (الحكومة المعترف بها دولياً)  والتحالف الداعم لها. فمنذ اندلاع النزاع بقيت الهواتف والشبكات الرقمية في المناطق التي توصف ب “المحررة” تحت وصاية الرقابة والتحكم الحوثي الكامل. يعكس هذا الإخفاق التكنولوجي حقيقة مريرة تفيد بأن سلطةً عاجزة عن تحرير هواتفها وفضائها الرقمي ستظل عاجزة بالضرورة عن استعادة شبر واحد من الأرض المغتصبة بيد المليشيات.

تحوّل قطاع الاتصالات في اليمن من ملف خدمي إلى جبهة حرب استراتيجية حسمتها مليشيات الحوثي مبكراً لصالحها. فمن خلال سيطرتها على المقسم الرئيسي والبوابات الدولية (مثل شركة يمن موبايل)، تمكنت المليشيات من فرض رقابة أمنية مشددة مكنتها من تتبع واعتراض مكالمات القيادات العسكرية، واستهدافهم ميدانياً عبر تكنولوجيا الرصد الرقمي. ولم يتوقف الأمر عند الاختراق الأمني؛ بل تحولت الشبكات إلى دجاجة تبيض ذهباً، حيث تجني سلطات صنعاء مئات الملايين من الدولارات سنوياً كعوائد ضرائب وتعبئة رصيد من المواطنين في اليمن والجنوب العربي، لتُوجّه هذه الأموال مباشرة لتمويل المجهود العسكري للجماعة.

في المقابل اتسمت جهود الحكومة والتحالف بالارتجالية والتخبط. فرغم الإعلان المتكرر عن مشاريع بديلة مثل شبكة “عدن نت” أو صفقات الاستثمار الإقليمي، إلا أن هذه المحاولات فشلت وتحطمت على صخرة الخلافات البينية وسوء الإدارة والفساد والنزاعات السياسية بين المكونات المنضوية تحت مظلة مايسمى الشرعية نفسها. وبدلاً من بناء بنية تحتية مستقلة وقوية تحمي السيادة الوطنية، استمر الاعتماد على الحلول الترقيعية التي أبقت المشتركين أسرى لمركز التحكم في صنعاء.. مؤخراً جاءت خطوة إدخال الإنترنت الفضائي (ستارلينك) كاعتراف ضمني وصريح بالفشل في إدارة وبناء شبكة أرضية وطنية قادرة على الصمود ومواجهة التحديات.

إن هذا العجز المستدام في ملف الاتصالات يرسخ القناعة الشعبية المتزايدة بوجود فجوة هائلة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. فالسيادة كلٌّ لا يتجزأ، وتبعية الهواتف لرقابة الخصم هي انعكاس مباشر لتبعية القرار وسوء الإدارة الاستراتيجية، مما يجعل من شعارات “تحرير صنعاء واستعادة الدولة” مجرد وعود بعيدة المنال ما لم يتم تدارك هذا الفشل الجوهري.