*- شبوة برس – تعليق خاص
وتتضاعف خطورة هذه المعادلة حين يُطلب من القوات الجنوبية أن تكون رأس الحربة في معارك استعادة مناطق خارج حدود الجنوب، بينما تظل استحقاقات القضية الجنوبية معلقة، ولا يوجد التزام سياسي واضح يضمن أن تتحول تضحيات المقاتلين إلى اعتراف بحق شعبهم في استعادة دولته. فهل يُعقل أن يُطلب من الجنوب تقديم المزيد من الدماء، فيما لا تزال حقوقه السياسية رهينة تفاهمات القوى المتنفذة وحساباتها المتغيرة؟
إن تجربة السنوات الماضية تفرض على القيادة الجنوبية استخلاص الدروس، لا تكرار التجارب ذاتها تحت عناوين جديدة. فالقوة العسكرية التي تُبنى بدماء أبنائها وخبراتهم القتالية ليست ملكاً لأحد كي يقرر مصيرها دون حسابات وطنية واضحة، وليست مخزوناً مفتوحاً لتعويض إخفاقات الآخرين أو ترميم اختلالاتهم العسكرية والسياسية.
ومن هنا، فإن أي مشاركة جنوبية في معارك خارج أرض الجنوب ينبغي أن ترتبط بقرار جنوبي مستقل، وأهداف محددة، وضمانات سياسية مكتوبة وواضحة، تتضمن الاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله واستعادة دولته الفيدرالية، وتمنع تحويل الانتصارات العسكرية إلى أوراق تفاوضية يستفيد منها الآخرون وحدهم.
ولا يكفي أن تُرفع شعارات الشراكة والمصير المشترك؛ فالشراكة الحقيقية تُقاس بما تقدمه من ضمانات متبادلة، وبمدى احترام إرادة الشعوب وحقوقها، لا بحجم التضحيات التي يُطلب من طرف تقديمها. وإذا كانت القوات الجنوبية شريكاً أساسياً في مواجهة التهديدات، فمن حق الجنوب أن يكون شريكاً في تحديد الأهداف ورسم ملامح التسوية النهائية.
ويرى شبوة برس أن المعركة الأخطر ليست فقط تلك التي تدور في الميدان، بل تلك التي تُحاك في الغرف السياسية بعد توقف المدافع، حين تتحول انتصارات المقاتلين إلى أوراق تفاوضية، وتُعاد صياغة الخرائط وفق مصالح القوى الأكثر نفوذاً. عندها قد يكتشف الجنوب أنه دفع ثمن معركة لم يحدد أهدافها النهائية، وأن من قاتلوا باسمه وجدوا أنفسهم خارج الحسابات التي رسمت مستقبل المنطقة.
لذلك، فإن حماية الجنوب تبدأ من وضوح القرار السياسي، وتحصين القوات الجنوبية من الاستنزاف غير المحسوب، وربط أي التزام عسكري بضمانات صريحة لا تحتمل التأويل. فالجنوب الذي يملك قوات قادرة على القتال، ويملك قضية وطنية ذات جذور تاريخية، لا ينبغي أن يدخل أي معركة جديدة قبل أن يعرف ما الذي سيحميه بعد انتهائها.
الخلاصة التي لا يجوز تجاهلها: لا يكفي أن ينتصر الجنوب في المعارك إذا كان الآخرون سيقررون وحدهم نتائجها السياسية. فالدماء التي تُبذل في الميدان يجب ألا تتحول إلى تنازلات على طاولة التفاوض، واستعادة الحقوق الوطنية لا ينبغي أن تبقى وعداً مؤجلاً بعد كل جولة من الحرب.
الجنوب يدفع الدماء.. والآخرون يقتسمون مكاسب التسوية
