*- شبوة برس- خاص + صور
من أقدم الشواهد التي تستحق التوقف عندها في التاريخ النقدي لحضرموت ما عُرف بـ«عملة ابن سهل»، المرتبطة بالسيد الحسين بن عبدالرحمن بن سهل، أحد أعيان حضرموت في القرن الثالث عشر الهجري.
ومن موقع الباحث والمنقّب في المصادر التاريخية، تتبع شبوة برس ما ورد عن هذه العملة في كتب تاريخ حضرموت، وفي مقدمتها كتاب «إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت» للمؤرخ الحضرمي عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف، سعياً إلى التمييز بين ما تثبته المصادر وما تناقلته الروايات اللاحقة.
ويحدد السقاف في ترجمته للحسين بن سهل أنه وُلد في تريم في رجب سنة 1213هـ، وعاد إليها بعد رحلة إلى جاوة مارس خلالها التجارة وأثرى منها، ثم ارتبط اسمه بعدد من الأعمال الخيرية والعمرانية في حضرموت. كما يذكر أنه توفي في الشحر في 28 شعبان سنة 1274هـ.
والأهم في ترجمة ابن سهل أن السقاف يسجل بوضوح أن من كبار أعماله «صكّه عملة عرفت باسمه سنة 1258هـ»، وأن هذه العملة ظلت متداولة بين الناس حتى سنة 1315هـ، حين صك السيد شيخ الكاف عملة أخرى حلت محلها.
وهذا النص التاريخي يجعل سنة 1258هـ محطة موثقة في تاريخ النقد المحلي المرتبط بحضرموت، وهي توافق عام 1842م تقريباً، أي قبل أكثر من 180 عاماً.
أما التفاصيل المتعلقة بفئات العملة وطريقة تقسيم الريال النمساوي، ومنها الحديث عن وحدات فضية ونحاسية والسنت المعروف محلياً باسم «الخمسية»، فترد في مصادر وروايات لاحقة تنسب هذه المعلومات إلى المؤرخ محمد أحمد الشاطري. كما تتداول رواية تفيد بأن ضرب العملة تم في إحدى المدن الأوروبية سنة 1258هـ، وأن قالبها أرسل إلى حضرموت. وهذه التفاصيل يوردها شبوة برس بوصفها روايات تحتاج إلى مقابلة نصوصها الأصلية وفحص القطع النقدية نفسها، لا باعتبارها حقائق محسومة.
كما تتداول بعض المصادر رواية أخرى تقول إن الحسين بن عبدالرحمن بن سهل اشترى مدينة تريم بمبلغ عشرة آلاف ريال نمساوي من الشيخ عبدالله عوض غرامة، مع إبقائه على مكانته ونفوذه. وهذه الرواية، بخلاف واقعة العملة التي سجلها السقاف، تحتاج هي الأخرى إلى وثيقة بيع أو نص تاريخي أصلي قبل الجزم بصحتها.
وتكمن أهمية «عملة ابن سهل» في أن أصل الرواية ليس مجرد حكاية شعبية متأخرة؛ فالمؤرخ عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف يذكرها في «إدام القوت» ويحدد سنة صكها بـ1258هـ، ويربطها مباشرة بالحسين بن سهل، كما يحدد سنة 1315هـ بوصفها نهاية تداولها بعد ظهور عملة السيد شيخ الكاف.
ومن خلال هذا المسار البحثي، يرى شبوة برس أن قيمة هذه الشهادة لا تتوقف على العثور على القطعة النقدية الأصلية وحدها، بل تبدأ من النص التاريخي الذي أثبت وجود تجربة نقدية عُرفت باسم صاحبها، ثم تنتقل إلى مهمة الباحثين في التحقق من شكلها ووزنها ومعدنها ونقوشها ومكان ضربها وفئاتها.
وبذلك يقدم تاريخ حضرموت شاهداً مبكراً على سعي شخصية حضرمية ثرية وذات نفوذ إلى إصدار نقد محلي يحمل اسمه، في مرحلة كان فيها الريال النمساوي من العملات الأجنبية المتداولة في المنطقة.
وتبقى القطع الأصلية، إن أمكن توثيقها، ونقوشها وأوزانها، إضافة إلى سجلات دور الضرب والوثائق التجارية، هي الأدوات التي يمكن أن تحسم بصورة نهائية كثيراً من التفاصيل المتداولة حول «عملة ابن سهل».
وإنصافاً للتاريخ، لا ينبغي تحويل الرواية إلى أسطورة، كما لا يصح إسقاطها لمجرد أن بعض تفاصيلها تحتاج إلى مزيد من التحقيق. الثابت في النص التاريخي الذي أورده السقاف أن الحسين بن عبدالرحمن بن سهل شخصية حضرمية حقيقية، عاش بين 1213هـ و1274هـ، وأن السقاف سجل صكه لعملة عُرفت باسمه سنة 1258هـ، وظلت متداولة حتى سنة 1315هـ.
وهذه الشهادة وحدها تفتح باباً مهماً أمام الباحثين في تاريخ حضرموت الاقتصادي والنقدي، وتستحق أن تُدرس بعيداً عن المبالغة أو التهوين، بالعودة إلى أصول المصادر والوثائق والقطع النقدية إن وُجدت.
