حقيقة:
عندما تصبح “حكومة الفنادق” عبئاً على التاريخ والقيم وتستهتر بالشعب لا تسمى “شرعية”.
وفي أدبيات العلوم السياسية هناك خط رفيع وقاسٍ يفصل بين مفهومين:

  • الشرعية القانونية التي تمنحها الهيئات الدولية والقرارات الأممية.
  • وبين “المشروعية الشعبية” التي يمنحها المواطن في الشارع عبر صناديق الاقتراع أو عبر الرضا العام عن الأداء والخدمات.
    وفي الحالة اليمنية تحول هذا الخط الفاصل إلى هوة سحيقة جعلت ما يسمى “الشرعية اليمنية” مجرد لافتة دبلوماسية معلقة في ردهات الفنادق والعواصم الخارجية منفصلة تماماً عن واقع الأرض والإنسان.

لقد تأسست هذه الشرعية المدعومة دولياً على تفاهمات زمنية محددة، فالرئاسة كانت انتقالية لعامين وصارت عقداً من الزمن، والبرلمان الذي يعود آخر عهده بصناديق الاقتراع إلى ما قبل أكثر من عشرين عاماً تحول إلى أثر دستوري غير شرعي، يُستدعى فقط لشرعنة قرارات معينة.
وحين تنتهي الصلاحية الزمنية والدستورية لأي سلطة فإنها تفقد بالتبعية تفويضها الشعبي، وتتحول من أداة لخدمة الشعب إلى أداة لشرعنة التدخلات الإقليمية وإدارة مصالح لا علاقة للمواطن اليمني بها.

كما إن تدوير ذات الوجوه الكالحة والأسماء المستهلكة من منصب إلى آخر، ومن لجنة إلى أخرى ، وأعضاء مجالس بقرارات وتوجيهات إقليمية يعكس حالة من الإفلاس السياسي.
هذه الكائنات السياسية التي تتنعم بامتيازات الاغتراب في الرياض والقاهرة واسطنبول، بينما يتجرع المواطن اليمني مرارة انهيار العملة وانقطاع الخدمات وغلاء المعيشة، لم تعد مقبولة شعبياً بأي مقياس. الشعب بات يرى في هذا المشهد تجلياً صارخاً للفساد والإجرام بحق حاضره ومستقبله.

ومع ذلك فإن تفكيك بنية هذه الشرعية المهترئة وتعرية زيفها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُفهم كصك غفران أو شرعنة لمليشيات الحوثي الانقلابية.
إن نقد الأداء الكارثي لسلطة المغتربين هو واجب وطني ملح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وليس انحيازاً لسلطة الأمر الواقع في صنعاء.
فالحقيقة التاريخية تؤكد أن الشرعية في اليمن سقطت وانتهت فعلياً منذ لحظة اجتياح الميليشيات للعاصمة واستيلائها على السلطة بقوة السلاح في عام 2014.
ولا يمكن لعجز “شرعية الفنادق” وفشلها المخزي أن يمنح أي مشروعية لنظام طائفي كهنوتي قام على تدمير مؤسسات الدولة وتقويض السلم الاجتماعي وتحويل البلاد إلى ساحة لتنفيذ الأجندات الإيرانية.

المشروعية الحقيقية لا تصنعها القرارات الدولية ولا غطاء الأمم المتحدة، بل تُستمد حصراً من الأرض، من آلام الناس وآمالهم، ومن قدرتهم على اختيار من يمثلهم بحرية واستقلالية.
إن استمرار فرض هذه الفئة باسم “الشرعية اليمنية” هو تجنٍّ واضح واعتداء على كرامة الشعب الذي يُراد له أن يظل رهينة لشرعية ورقية تفتقر لأي رصيد أخلاقي أو سياسي على أرض الواقع.
وإذا كان لليمن أن يعود، فإن عودته لن تبدأ من غرف التوافقات الخارجية، بل من استعادة الشعب لحقه الأصيل في تقرير مصيره واختيار قيادته بعيداً عن الإملاءات.