*- شبوة برس – خاص
رصد شبوة برس ما كتبه الكاتب الصحفي علي سيقلي في تفكيك قراءة عبدالكريم سالم السعدي لكلمة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، كاشفاً الفارق بين النقد السياسي الذي يستند إلى الوقائع، والخطاب الذي تقوده الخصومة وتدفعه الاستنتاجات المسبقة.
لم تكن المشكلة في أن يختلف السعدي مع الزبيدي، فالمعارضة حق، والنقد ضرورة، ومراجعة أداء القيادات واجب سياسي. لكن المشكلة تبدأ حين يتعامل الكاتب مع الاحتمالات وكأنها حقائق مكتملة، ويحوّل ملامح وجه أو توقفات في كلمة مصورة إلى قرائن على الاعتقال والإقامة الجبرية، ثم يبني فوقها رواية سياسية واسعة عن التبعية وتبادل الأدوار بين الرياض وأبوظبي، دون أن يقدم ما يكفي لإثبات تلك الاستنتاجات.
وهنا يضع سيقلي إصبعه على موضع الخلل: السياسة ليست قراءة للفنجان، ولا محكمة تُصدر أحكامها من تعبيرات الوجوه والتخمينات. فمن أراد اتهام قيادة جنوبية بالارتهان للخارج، فعليه أن يقدم الوقائع والقرائن، لا أن يطلب من الجمهور تصديق رواية صاغتها الخصومة ثم يعرضها باعتبارها حقيقة نهائية.
السعدي واختزال الجنوب في حسابات العواصم
الأكثر إثارة للسخرية في هذا النوع من الخطاب هو التعامل مع القرار الجنوبي كما لو أنه لا وجود له خارج غرف الرياض وأبوظبي. فإذا تحدث الزبيدي بلغة لا تعجب خصومه، قيل إن هناك من أملى عليه كلماته، وإذا تجنب ذكر طرف إقليمي، تحولت المسألة إلى دليل على انتقال الولاء إلى طرف آخر!
بهذه الطريقة يصبح كل موقف جنوبي مادة جاهزة للتأويل، وتغيب القضية الأساسية خلف سجال لا ينتهي حول من يوجه من، ومن يرضى عن من، وكأن شعب الجنوب وقواته وتضحياته مجرد تفاصيل هامشية في صراع العواصم.
ويرى شبوة برس أن هذا المنطق لا ينتقص من الزبيدي وحده، بل يكشف أزمة أعمق لدى بعض خصوم المشروع الجنوبي؛ إذ يصعب عليهم التعامل مع الجنوب باعتباره قضية سياسية لها شعب وإرادة ومصالح، فيعيدون تفسير كل تطور من خلال شبكة من الاتهامات والولاءات المفترضة.
حين تضيق الحجة، تحضر لغة الإقصاء
أما وصف المجلس الانتقالي بأنه قبيلة مفتوحة الأبواب لكل «لصيق»، فهو انحدار من مناقشة السياسات إلى لغة التشكيك والإقصاء. فهل هذه حجة سياسية؟ وهل يمكن اختزال قضية شعب وتضحيات قواته وتاريخه في تعبيرات تحاول الانتقاص من خصوم سياسيين؟
إن مثل هذه العبارات لا تثبت قوة موقف صاحبها، بل تكشف عجزها عن تقديم بديل سياسي مقنع. وإذا كان السعدي يرى أن المجلس الانتقالي أخفق أو أخطأ، فليضع أمام الناس قراراته ونتائجه، وليقدم مشروعاً يستطيع الجنوبيون مقارنته بمشروع استعادة دولتهم. أما إطلاق الأوصاف، فلن يصنع شرعية بديلة، ولن يمحو حضور الجنوب في الواقع.
ويرى شبوة برس أن أخطر ما في الخطاب الإقصائي حين يستدعي حساسيات المناطق والماضي وصراعاته، أنه يحاول جر الجنوب إلى معارك جانبية تستنزف أبناءه، بدلاً من توجيه النقاش نحو بناء المؤسسات وتوحيد القرار وحماية القضية الجنوبية من التجاذبات.
الجنوب أكبر من أحقاد الماضي
لا يعني الدفاع عن المشروع الجنوبي منح قياداته حصانة من النقد، ولا يعني الاعتراف بالدور الإماراتي في دعم القوات الجنوبية تبرئة كل سياساته، كما لا يعني أي تقارب مع الرياض أن القرار الجنوبي أصبح تابعاً لها. المعيار هو ما تحققه هذه العلاقات لمصلحة الجنوب، ومدى احترامها لإرادة أبنائه وحقهم في تقرير مستقبلهم.
وهنا تتجلى أهمية طرح علي سيقلي: لا تجعلوا خلافكم مع الزبيدي دليلاً على أن كل ما يصدر عنه مؤامرة، ولا تحولوا الاختلاف السياسي إلى مناسبة لإحياء حساسيات المناطق والماضي. فالجنوب الذي دفع أثماناً باهظة لا يحتاج إلى مزيد من التشكيك بين أبنائه، بل إلى نقد مسؤول، وقيادة تُحاسب على قراراتها، ومشروع وطني واضح.
ويؤكد شبوة برس أن من يريد محاكمة الزبيدي فليحاكم مواقفه وقراراته بالأدلة، لا بروايات تُبنى على الظنون، ومن يريد منافسة الانتقالي فليقدم مشروعاً يحظى بثقة الجنوبيين، لا خطاباً يستدعي خصومات الماضي.
فالجنوب ليس ملكاً لأحد، لكنه أيضاً ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. وإرادة شعبه لا تُلغى بمقال، ولا تُهزم بتشكيك، ولا تُختزل في حسابات الآخرين.
