*- شبوة برس – خاص
رصد شبوة برس ما طرحه السياسي الحضرمي علي الكندي على منصة «إكس»، بشأن أوجه التشابه بين ما جرى في تسعينيات القرن الماضي وما تتحدث عنه تقارير صحفية دولية اليوم من خطط لنقل آلاف المقاتلين من الجماعات الإسلامية المتطرفة التي قاتلت في سوريا إلى اليمن، تحت غطاء المشاركة في عملية «فجر اليمن».
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يُراد للجنوب العربي أن يدفع مرة أخرى ثمن الصفقات السياسية والعسكرية التي تُعقد فوق أرضه، بينما تُترك شعوبه لمواجهة نتائجها لعقود؟
في تسعينيات القرن الماضي، دخلت الجماعات التي عُرفت باسم «الأفغان العرب» إلى المشهد اليمني في سياق صراعات سياسية وعسكرية معقدة، وتتهم أطراف جنوبية نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح باستخدام مقاتلين إسلاميين في مواجهة القوات الجنوبية وقوات الحزب الاشتراكي. ولم تكن تداعيات تلك المرحلة مجرد صفحة عابرة؛ فقد تركت جروحاً عميقة في المجتمع، ورسخت مخاوف من توظيف الجماعات المتشددة في الصراعات على السلطة.
وكانت حرب صيف 1994 محطة مفصلية في تاريخ الجنوب، إذ انتهت بهزيمة القوات الجنوبية، وتبعها مسار سياسي وأمني حملت قطاعات واسعة من الجنوبيين النظام الذي حكم صنعاء مسؤوليته عن الإقصاء والتهميش والاغتيالات التي طالت شخصيات وقيادات جنوبية. كما ظلت محاولة اغتيال رئيس الوزراء الجنوبي الأسبق حيدر أبو بكر العطاس في صنعاء، وما أحاط بها من اتهامات وملابسات، جزءاً من سجل الخلافات الدامية التي أعقبت الحرب، لا مجرد تفصيل يمكن تجاوزه في رواية الوحدة.
لقد كشفت تلك التجربة، في نظر منتقدي نظام صنعاء، خطورة تحويل الشعارات الوحدوية إلى غطاء لصراع تُستخدم فيه القوة لتصفية الشركاء السياسيين، ثم يُترك المجتمع لمواجهة نتائج توظيف السلاح والتطرف في معارك السلطة. فالوحدة التي تُفرض بالحرب، وتُفرغ من الشراكة والعدالة، لا تحمي النسيج الوطني، بل تعمّق الانقسام وتراكم المظالم.
واليوم، تثير التقارير المتداولة عن احتمال نقل نحو عشرين ألف مقاتل من سوريا إلى اليمن أسئلة خطيرة تستوجب التحقق من مصادرها ومضمونها، قبل التعامل معها باعتبارها خطة مؤكدة. وإذا صحت هذه المعلومات، فإن الأمر يتطلب توضيحات رسمية بشأن هوية هؤلاء المقاتلين، والجهة التي تقف وراء نقلهم، وطبيعة المهمة المسندة إليهم، والضمانات التي تحول دون استخدامهم في صراعات داخلية أو تهديد أمن السكان.
أما الجنوب العربي، فلا يجوز أن يتحول إلى ساحة لتجميع المقاتلين أو تصدير الأزمات الإقليمية، ولا أن تُستخدم قضية مكافحة الحوثيين ذريعة لفرض ترتيبات عسكرية وسياسية لا يملك الجنوبيون قرارها. فأمن باب المندب والساحل الغربي لا ينفصل عن أمن الجنوب وحق شعبه في تقرير مستقبله، وأي ترتيبات تتجاهل هذه الحقيقة تفتح الباب أمام مخاطر جديدة بدلاً من معالجة أسباب الصراع.
إن الدرس الأهم من تجارب الماضي ليس تكرار الاتهامات بلا أدلة، بل رفض إعادة إنتاج السياسات التي تجعل الدم الجنوبي وقوداً لتسويات الآخرين. ومن حق الجنوبيين المطالبة بكشف الحقائق، ومساءلة المسؤولين، ورفض الزج بأبنائهم في معارك لا تقابل تضحياتهم بضمانات سياسية واضحة.
فمن خان الشراكة بالأمس لا يمكنه مطالبة الجنوب اليوم بثقة مفتوحة، ومن يريد شراكة حقيقية عليه أن يقدم ضمانات ملموسة، لا وعوداً جديدة تُترك رهينة موازين القوة. إن استعادة الثقة تبدأ بالاعتراف بالمظالم، وكشف مصير الاغتيالات، وضمان عدم تكرارها، واحترام إرادة شعب الجنوب العربي وحقه في تقرير مستقبله.
