*- شبوة برس – خاص
رصد شبوة برس ما طرحه الدكتور عبدالله عبدالصمد، رئيس حركة تاج الجنوب، في منشور على فيسبوك، بشأن مخاطر الزج بالقوات الجنوبية في معارك جديدة تحت شعار تحرير صنعاء، في ظل غياب ضمانات سياسية واضحة تحفظ للجنوب حقوقه وتمنع تكرار تجارب الاستنزاف السابقة.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة هي أن الشعارات العسكرية لا تكفي لإقناع الجنوبيين بخوض معارك جديدة، ولا يمكن مطالبتهم بتقديم المزيد من الدماء على أساس وعود مفتوحة لا تحدد نهاية الحرب، ولا طبيعة التسوية التي قد تعقبها، ولا موقع الجنوب وحقوق شعبه في أي اتفاق سياسي قادم.
منذ سنوات، تتكرر الوعود بتحرير صنعاء، وتُعلن التعبئة وتُحدد ساعات الصفر، لكن النتيجة النهائية ظلت بعيدة عن مستوى الخطاب المعلن. وفي المقابل، تحملت القوات الجنوبية أعباء كبيرة في المواجهات ضد الحوثيين، وقدمت تضحيات بشرية وعسكرية، فيما بقي مستقبل الجنوب السياسي موضع تجاذب ومساومات لا تتناسب مع حجم تلك التضحيات.
إن المشكلة ليست في مواجهة الحوثيين أو التقليل من خطرهم، بل في السؤال عن الأهداف الحقيقية لأي معركة جديدة، والجهة التي ستستفيد من نتائجها، وما إذا كانت التضحيات الجنوبية ستقود إلى مكاسب سياسية واضحة، أم ستنتهي بتفاهمات تعيد ترتيب المصالح وتترك الجنوب أمام المطالب ذاتها التي قاتل من أجل تجاوزها.
أما باب المندب، فلا ينبغي اتخاذ أهميته الاستراتيجية ذريعة لتسويق كل تحرك عسكري باعتباره معركة حاسمة لتحرير صنعاء. فتهديد الملاحة الدولية لا يرتبط بالسيطرة الجغرافية على مضيق باب المندب وحده، إذ تستطيع الصواريخ والطائرات المسيّرة تهديد السفن من مسافات بعيدة، ما يجعل معالجة هذا الخطر مرتبطة أيضاً بقدرات الحوثيين العسكرية ومصادر تسليحهم وطبيعة الصراع الإقليمي.
وفي هذا السياق، يطرح عبدالصمد تساؤلات بشأن أهداف الرياض من أي تحرك عسكري محتمل، وما إذا كان المقصود إنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء، أم استعادة مناطق محددة وتحسين شروط التفاوض، قبل العودة إلى تسوية سياسية معهم. وهي احتمالات تستحق النقاش، من دون التعامل معها باعتبارها خططاً مؤكدة أو نتائج محسومة سلفاً.
لكن الخطر الأكبر الذي يواجه الجنوب يتمثل في استنزاف قواته المدربة وإبعاده عن أولوياته الأمنية والوطنية، بينما لا تزال هناك تحديات تتعلق بحماية أرضه وتأمين مناطقه، ولا سيما في حضرموت والمهرة، وترسيخ الأمن والاستقرار في مختلف محافظاته.
ومن حق الجنوبيين أن يسألوا بوضوح: لماذا يُطلب من قواتهم أن تكون في مقدمة المعارك كلما احتاجت الأطراف الأخرى إلى قوة قتالية، بينما لا تُقدَّم ضمانات سياسية صريحة بشأن حق شعب الجنوب العربي في تقرير مستقبله واستعادة دولته؟
إن رفض الاستنزاف لا يعني الهروب من مواجهة التهديدات، كما أن حماية الملاحة الدولية ليست مبرراً للتنازل عن الأولويات الوطنية. المطلوب هو تحديد أهداف المعركة، وضمانات ما بعدها، وموقع القضية الجنوبية في أي تسوية، حتى لا تتحول الانتصارات العسكرية إلى خسائر سياسية جديدة.
الجنوب العربي ليس خزاناً بشرياً مفتوحاً لحروب الآخرين، وقواته ليست رصيداً عسكرياً يُستنزف ثم يُترك لمواجهة مصيره. ومن يريد مشاركة الجنوب في أي معركة، فعليه أن يدرك أن الشراكة لا تُبنى بالتضحيات وحدها، بل بالاعتراف بالحقوق والالتزام بضمانات واضحة.
لقد دفع الجنوب أثماناً باهظة في حروب لم يكن قرارها دائماً بيده. ولذلك، فإن السؤال اليوم ليس فقط: هل يمكن تحرير صنعاء؟ بل أيضاً: ماذا سيحصل للجنوب إذا انتهت الحرب بتسوية سياسية، وعاد المتحاربون إلى طاولة التفاوض، بينما بقيت دماء الجنوبيين خارج حسابات الاتفاق؟
تلك هي المسألة التي ينبغي أن تتصدر النقاش قبل إطلاق أي معركة جديدة: لا مزيد من التضحيات بلا أهداف محددة، ولا استنزاف للقوات الجنوبية بلا ضمانات، ولا تسوية سياسية تتجاهل حق شعب الجنوب العربي في تقرير مستقبله واستعادة دولته.
