هل كنت يوماً من قيادات الحراك الجنوبي أو من ناشطيه؟ لا شك أن ذلك صفحة ناصعة في تاريخك، فقد وقفت يومها مع شعب الجنوب، وتقاسمت مع رفاقك الهموم والجراح، وربما الزنازين أيضاً.
واليوم أصبحت مسؤولاً في حكومة الشرعية، وزيراً أو سفيراً أو قنصلاً أو مديراً؟ لا بأس، فمن حقك أن تتقلد المناصب، وأن تعيد ترتيب خياراتك السياسية، بل ومن حقك أن تكتشف، ولو متأخراً، أن للوطن وجوهاً أخرى لا تُرى إلا من نوافذ المكاتب الوثيرة!
لكن ما ليس طبيعياً أن تتحول، بين ليلة وضحاها، إلى فارس مغوار في مهاجمة من ظلوا متمسكين بالمواقف التي كنت بالأمس تتصدر صفوف المدافعين عنها.
كيف يستقيم أن تتهم رفيقاً او رفاقاً بالمناطقية والتعصب وضيق الأفق، لمجرد أنه بقي حيث كنت أنت ذات يوم؟ وهل اتسع أفقك السياسي فجأة، أم أن للكرسي قدرة خارقة على توسيع المدارك وتضييق الذاكرة؟
والأعجب أن بعض هؤلاء، ما إن يستقر على كرسي السلطة، حتى يبدأ بإلقاء المحاضرات في الوطنية والاعتدال ، وكأن تاريخه السابق مجرد خطأ مطبعي في سيرته الذاتية، أو مرحلة من الجهل السياسي أنقذته منها نعمة المنصب!
من حقك أن تغير موقفك، لكن ليس من حقك أن تجعل من ثبات الآخرين تهمة، ومن تحولك أنت فضيلة. ومن حقك أن تختلف مع رفاق الأمس، لكن ليس من حقك أن تصادر قناعاتهم أو تشكك في وطنيتهم، لمجرد أنك حصلت على الامتيازات التي أتاحت لك إعادة اكتشاف ذاتك!
ولا تغتر بتلك الشرائح التي تصفق لك اليوم، فبعض التصفيق لا يُمنح احتراماً للمواقف، بل احتفاءً بالتخلي عنها.
تذكر أن التاريخ لا يُعاد تحريره بقرار تعيين، ولا تُمحى صفحاته بجواز دبلوماسي، وأن المبادئ ليست معاطف تُخلع عند أبواب الوزارات والسفارات.
ومهما ازدحمت خطاباتك بالمصطلحات الرنانة، وتفننت في تسويق التحولات وتبرير التناقضات، فستبقى أمام سؤال بسيط لا يحتاج إلى كل هذا التنظير:
إذا كان رفاق الأمس مخطئين لأنهم ثبتوا على مواقفهم، فهل كنت أنت مخطئاً حين كنت معهم وأصبحت مصيباً فقط حين أصبحت مسؤولاً؟
والمفارقة أن بعضهم يعتبر انه لم يغيّر موقفه من القضية، بل غير موقعه منها وتحرك مع الكرسي، ثم أراد من الجميع أن يصدقوا أن الوطن هو الذي تحرك، وليس هو!
جبران جبران
