تساؤلات مشروعة حول الجمود العسكري والعبء الموزع:
في خارطة الحرب اليمنية الممتدة منذ عام 2015، تظل جبهة مأرب واحدة من أكثر الجبهات إثارة للجدل والتحليل السياسي والعسكري. فرغم الثقل البشري والقبلي واللوجستي والدعم الاقتصادي الكبير الذي تتمتع به هذه المحافظة النفطية الإستراتيجية، إلا أن طابعها العسكري ظل يغلب عليه “الجمود الدفاعي” في مواجهة جماعة الحوثي. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة يطرحها الكثير من المراقبين والشارع اليمني: لماذا لا تلتحم قوات مأرب بالعدو وتشن هجوماً شاملاً لتحرير المديريات الساقطة وتخفيف الضغط العسكري الهائل الذي تواجهه جبهات أخرى كتعز والساحل الغربي؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل تتجاوز مجرد الخطط العسكرية التكتيكية لتتشابك مع حسابات سياسية وحزبية معقدة ترسم ملامح ومستقبل هذه الجبهة، ويمكن تلخيصها في ثلاثة أبعاد رئيسية:
أولاً: إستراتيجية الحفاظ على “المعقل الأخير”؛ حيث تنطلق القراءة النقدية لجبهة مأرب من حقيقة أن القوة العسكرية المهيمنة هناك، والمحسوبة تنظيمياً وسياسياً على حزب التجمع اليمني للإصلاح، تنظر إلى المحافظة باعتبارها المعقل الأخير والوجودي لها في اليمن. وضمن هذه الحسابات تصبح الأولوية القصوى هي حماية حقول النفط والغاز والكتلة البشرية الضخمة من النازحين. هذا المنظور الدفاعي الحذر يجعل القيادة العسكرية هناك تتجنب المغامرة بأي هجوم بري واسع قد يتسبب في إنهاك قواتها أو فتح ثغرات ميدانية يرتد منها الحوثيون لاختراق قلب المدينة، مما دفع المحافظة إلى تبني إستراتيجية “حرب الاستنزاف من وراء السواتر” بدلاً من المبادرة بفتح محاور هجومية جديدة لتغيير الواقع.

ثانياً: غياب التنسيق وحسابات “الربح والخسارة” الحزبية؛ فقد أدى الانقسام السياسي وغياب الثقة بين المكونات المناهضة للحوثيين إلى غياب التنسيق الحقيقي بين الجبهات. وفي الوقت الذي تخوض فيه القوات المشتركة من ألوية العمالقة الجنوبية، ودرع الوطن، والمقاومة الوطنية معارك كسر عظم وتصفيات برية شرسة في تعز والساحل الغربي لانتزاع المواقع وتتكبد خسائر بشرية مؤلمة، يرى الكثيرون أن جبهة مأرب تكتفي بموقف المتفرج. هذه السلبية الميدانية تذكي الاتهامات بأن القوى المسيطرة على مأرب تخشى من أن أي تقدم عسكري يحققه الحلفاء الآخرون قد يغير من موازين القوى السياسية مستقبلاً، وبالتالي يفضلون تجميد جبهتهم بانتظار تسوية سياسية تضمن بقاء نفوذهم في المحافظة الثرية.

ثالثاً: خذلان تعز والجبهات المشتعلة؛ إن بقاء مأرب في موضع الدفاع والكمائن المحدودة والاعتماد شبه الكلي على الضربات المدفعية أو الغارات الجوية يمثل تخلياً غير مبرر عن مساندة باقي الجبهات. لو أن مأرب تحركت بكامل ثقلها البشري والعسكري وشنت هجوماً لتحرير مديرياتها الغربية والشمالية صوب صنعاء والجوف، لأجبر ذلك جماعة الحوثي على سحب الآلاف من مقاتليها وتشتيت قوتها الضاربة المحاصِرة لتعز. لكن استمرار هذا التموضع الساكن يسمح للحوثيين بالاستفراد بجبهات تعز والساحل، مستغلين الطمأنينة على حدودهم في مأرب لتكثيف الضغط هناك.

إن الرهان على بقاء مأرب كمحمية دفاعية آمنة بعيداً عن الهجوم المباشر هو رهان يحمل مخاطر مستقبلية جسيمة. فالتاريخ العسكري يثبت أن الجيوش التي تكتفي بالدفاع تفقد زمام المبادرة وتمنح عدوها فرصة المناورة واختيار توقيت الهجوم. إن مستقبل مأرب، ومستقبل المعركة اليمنية برمتها، يقتضي الخروج من حسابات المصلحة الحزبية الضيقة والتحام هذه الجبهة بشكل حقيقي وفوري في المعركة القومية الشاملة، فالجمود لم يعد خياراً مقبولاً بينما تنزف الجبهات الأخرى دفاعاً عن مشروع الدولة.