في الوقت الذي تصطلي فيه محافظة شبوة بالثأر ونيران الأزمة المعيشية والانهيار الاقتصادي المتردي، وتفتقر فيه للخدمات الأساسية من مياه وتعليم وصحة، تطل علينا بعض الجهات الرسمية والمنظمات الدولية ببرامج وورش عمل تتمحور حول “الخطاب السياسي والديمقراطية للشباب والفتيات”.
إن هذا التباين الصارخ يعكس غياباً تاماً لفقه الأولويات لدى السلطة المحلية، ويكشف عن محاولات بائسة للتقليد الأعمى واستيراد مظاهر معولمة لا تمت لواقع الأرض بصلة.
إن محاولة إسقاط نظريات سياسية ومفاهيم ليبرالية مستوردة على مجتمع قبلي محافظ له هويته وخصوصيته الصارمة، يُعد نوعاً من العبث الفكري والانفصال الجيوسياسي والاجتماعي عن الواقع. فالمجتمع في شبوة لم ولن يكون بيئة مؤهلة للشعارات الطنانة وقشور الديمقراطية الغربية؛ بل هو مجتمع يستمد استقراره وتماسكه من منظومة قيمية وقبلية أصيلة أثبتت جدارتها في ضبط السلم الاجتماعي حين غابت الدولة، ومحاولة تمييع هذه البنية تحت لافتات “التأهيل السياسي الناعم” ليست إلا استنزافاً للموارد المحدودة وتغريباً غير مدروس للجيل الصاعد.
يتجلى الخلل الأكبر في انفراط عقد الأولويات التنموية؛ إذ تُنفق المنظمات الدولية ميزانيات ضخمة على قاعات الفنادق والخطابات الإنشائية مستغلةً الحاجة المادية المتردية للشباب عبر بدلات الحضور والمواصلات، في حين يواجه المواطن البسيط شبح غياب الخدمات الطبية وتدهور البنية التحتية. إن هذا السلوك يضع السلطة المحلية في موضع التساؤل حول مدى قدرتها على فرض سيادتها التنموية وتوجيه المنح الدولية نحو المشاريع المستدامة التي تلامس حياة الناس بدلاً من ترك الحبل على الغارب لأجندات التوجيه الفكري.
لكن الرفض المجتمعي المتزايد وتصاعد الأصوات المحلية المطالبة بضبط هذه الأنشطة لا يُعبر عن انغلاق، بل هو دليل قاطع على نضج ووعي فطري يمتلكه أبناء شبوة. لقد أثبت الشارع الشبواني قدرته على الفرز الدقيق بين “التأهيل المهني الحقيقي” الذي تحتاجه المحافظة لبناء كوادرها الإدارية والفنية، وبين “المظاهر المستوردة” التي يراد منها صناعة نخب بديلة متماهية مع الخارج. إن الحفاظ على هوية المحافظة واستقرارها يبدأ من إطعام الجائع ومداواة المريض وتأمين الخائف، لا بتعليم الجائع كيف يخطب في المنابر.
