*- بقلم: محرر شبوة برس
ليس أخطر على مستقبل الجنوب العربي من أن يتحول النزوح الذي فرضته الحروب إلى توطين دائم، ثم يتحول التوطين إلى إحلال سكاني، وتتحول الإقامة إلى مواطنة وحقوق سياسية كاملة دون معالجة واضحة لملف الهوية والسجل المدني وحقوق السكان الأصليين.
المسألة هنا ليست عداءً للنازحين، ولا إنكاراً لحق أي إنسان في الحماية والإغاثة. لكنها قضية تتعلق بمستقبل وطن وهوية شعب وحقه في تقرير مصيره. فحين تستقر أعداد كبيرة من القادمين من اليمن بصورة دائمة، وتمتلك الأراضي والمساكن، وتدخل في السجلات المدنية باعتبارها من سكان الجنوب، فإن التركيبة السكانية تتغير تدريجياً، وقد يصبح هذا التغيير لاحقاً عاملاً مؤثراً في أي استحقاق سياسي يتعلق بمستقبل الجنوب.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
محرر “شبوة برس” ينبّه, إذا كان الجنوب العربي يتجه مستقبلاً إلى استفتاء أو أي صيغة سياسية لتقرير المصير، فإن السؤال سيكون: من هم أصحاب الحق في التصويت؟ ومن هم السكان الذين يُحتسبون ضمن الهيئة الناخبة؟ وكيف يمكن التمييز بين المواطن الجنوبي التاريخي وبين من استقر في الجنوب خلال سنوات الحرب والنزوح؟
إن ترك هذه الأسئلة بلا إجابات اليوم قد يجعل الإجابة عليها غداً أكثر صعوبة وتعقيداً.
والأخطر أن استمرار منح الإقامات والوثائق دون بيانات دقيقة عن الأصل ومحل الميلاد قد يؤدي، مع مرور الوقت، إلى طمس الفوارق في السجلات المدنية، بحيث يصبح من الصعب تحديد التركيبة السكانية الحقيقية للجنوب.
لذلك فإن حماية هوية الجنوب لا تعني ظلم النازحين، وإنما تعني تنظيم النزوح، وضبط التملك والإقامة، والحفاظ على سجلات مدنية دقيقة، وضمان ألا تتحول المأساة الإنسانية إلى وسيلة لإنتاج واقع سياسي وديموغرافي جديد.
محرر شبوة برس يرى أن الصمت عن هذه القضية خطأ تاريخي؛ لأن الاحتلال لا يكون دائماً بالدبابات. أحياناً يبدأ بتغيير السكان، ثم تغيير السجلات، ثم تغيير مفهوم المواطنة، وينتهي الأمر بأن يصبح صاحب الأرض أقلية في وطنه.
الجنوب العربي يحتاج اليوم إلى وعي قانوني وسياسي يحمي هويته وتركيبته السكانية، وإلى معالجة مسؤولة لملف النازحين تحفظ كرامتهم الإنسانية، وفي الوقت نفسه تمنع تحويل النزوح المؤقت إلى توطين دائم يفرض نفسه على مستقبل الجنوب واستقلاله.
فالأرض يمكن استعادتها، والحدود يمكن حمايتها، لكن تغيير التركيبة السكانية إذا ترسخ يصبح من أصعب القضايا التي يمكن معالجتها.
ولهذا فإن ملف الإحلال والتوطين ليس قضية هامشية، بل قضية أمن قومي جنوبي ومستقبل دولة وهوية وحق في تقرير المصير.
الإحلال السكاني في الجنوب العربي قضية تمس الهوية ومستقبل الوطن ولا تعني معاداة النازحين، بل تتطلب تنظيم النزوح والإقامة والتملك وحماية السجل المدني، ومنع تحول النزوح المؤقت إلى توطين دائم ويؤثر في تقرير المصير.
