تتواتر التسريبات والتحليلات السياسية التي تشير إلى أن جهاتٍ محسوبة على “شرعية الفنادق” تتعمد تسهيل سقوط محافظة تعز بيد جماعة الحوثي؛ في مناورة مكشوفة تهدف إلى ابتزاز الجنوب ودفع قواته (لا سيما أبناء المثلث) إلى الانخراط في معركة استنزافية لحماية عمقهم الجغرافي. وإذا صدقت هذه المقاربة فإنها لا تمثل مجرد فشل سياسي، بل هي خطيئة عسكرية مكتملة الأركان وغباء استراتيجي متأصل يجهل قواعد الجغرافيا السياسية، ويرتد كحبل مشنقة حول عنق المخططين له قبل غيرهم.

إن تفكيك هذه الفرضية يكشف عن جهل مطبق بطبيعة التضاريس العسكرية؛ فتعز ليست مجرد مدينة يمنية، بل هي الحصن الجبلي الحاكم والمشرف تضاريسياً على السهول المنبسطة في لحج والعاصمة عدن. السيطرة الحوثية على المرتفعات الشاهقة (مثل جبال حيفان، والأحكوم، والصبيحة) تمنح المليشيات تفوقاً نارياً وإشرافاً عسكرياً مباشراً يسقط أي إمكانية لـ”الضغط المؤقت”، ويتحول تلقائياً إلى تهديد وجودي دائم يضع عدن تحت رحمة النيران الحوثية، وخنقاً للمنافذ البرية للجنوب العربي.

أما المآلات الجيوسياسية فتتجاوز حدود الجغرافيا المحلية لتطال الأمن القومي والإقليمي برُمته. إن تمكين الحوثي من السيطرة الكاملة على ريف تعز الغربي وجبالها المطلة على الساحل يعني إحكام قبضته المطلقة على مضيق باب المندب الاستراتيجي وميناء المخا. هذا التحول سيمنح الميليشيات ورقة ضغط دولية غير مسبوقة لخنق الملاحة البحرية العالمية، وتهديد أمن البحر الأحمر، مما يجهض مصالح التحالف العربي والمجتمع الدولي، ويحول ميليشيا عقائدية مرتبطة بأجندات إقليمية إلى لاعب متحكم بأهم ممرات التجارة العالمية.

نكزة؛ فإن من يظن من “بقايا النظام السابق وحزب الإصلاح” أن تسليم تعز سيسهم في استنزاف القوات الجنوبية، يغفل حقيقة أن الحوثي لن يتوقف أسفل الجبل.
تصفية جيب تعز تعني إخلاء الساحة تماماً للحوثي والقضاء المبرم على ما تبقى من نفوذ سياسي أو عسكري لتلك القوى المتاجرة بالحرب وتبخر استثماراتها التي تساوم بها. لقد وعى شعب الجنوب هذه اللعبة مبكراً، ولن تكون استراتيجيته الدفاعية اندفاعاً لإنقاذ جبهات تُسلّم طواعية، بل تموضعاً صارماً وتحصيناً عسكرياً لحدوده التاريخية، تاركاً الواهمين يكتوون بنار مؤامراتهم المرتدة.