جزء من التاريخ المنسي
*- شبوة برس – خاص
رصدت «شبوة برس» ما كتبه المدون معاذ باعباد عن تقليد حضرمي عريق ارتبط ببيارق السادة والمشايخ ومواكب المناصب، حيث لم تكن الراية مجرد علامة على الحضور والمكانة، بل حملت في الذاكرة الاجتماعية معنى أعمق، ارتبط بالدعوة إلى وقف القتال والاحتكام إلى الصلح والسلام.
وبحسب ما أورده باعباد، فقد كان ظهور موكب المنصب، أو حتى حضور بيرقه مرفوعاً على خيله، كافياً في حالات النزاع لإيقاف القتال، نظراً لما تمثله تلك الراية من مكانة دينية واجتماعية. كما جرى العرف على أن يدخل المنصب والوجاهات من السادة والمشايخ بعض المناطق التي يزورونها لأول مرة في مواكب تتقدمها الطيالة والبيارق، في تعبير رمزي واضح عن رفض العنف وإعلان السلام.
ويرى محرر «شبوة برس» أن هذه الممارسة لا يمكن فصلها عن طبيعة المجتمع الجنوبي في حقب تاريخية طويلة، حين غابت الدولة المركزية القوية، ولم تكن سلطات السلاطين والأمراء تمتلك أجهزة أمنية قادرة على فرض الأمن وإنهاء النزاعات القبلية بالقوة، فاستمرت حروب الثأر والصراعات البينية، وحصدت أرواح أعداد كبيرة من أبناء القبائل على امتداد أجيال.
ومن هنا برز الدور الاجتماعي والروحي للسادة العلويين الأشراف، من ذرية الإمام الشهيد الحسين بن علي، عليهما السلام، في مجتمعات قبلية كان للرمزية الدينية والوجاهة الاجتماعية فيها وزن كبير. ويرى محرر «شبوة برس» أن حضورهم في قضايا الإصلاح والوساطة وحقن الدماء أسهم، وفق الموروث الاجتماعي والروايات المتداولة عن الآباء والأجداد، في توفير مساحة آمنة للقاء أطراف النزاع وفتح أبواب الصلح.
وكان البيرق (العلم أو البنديرة في اللهجة الشعبية) في تلك المواقف يحمل دلالة تتجاوز القماش والراية؛ فعند اندلاع القتال بين قبيلتين أو داخل القبيلة الواحدة، كان السادة والمناصب يتقدمون برايتهم المعروفة، ويدخلون بين المتقاتلين، فيتوقف إطلاق النار احتراماً لمكانتهم، ثم تبدأ مساعي الإصلاح والتهدئة بحضور المنصب أو السيد، حتى الوصول إلى الصلح وحقن الدماء.
ويرتبط هذا الإرث أيضاً بمكانة المناصب الدينية والنسب الشريف، ومن أبرز الأسماء التي حفظتها الذاكرة المحلية السيد المنصب الشيخ أبو بكر بن سالم مولى عينات. وتنسب إليه الروايات التاريخية المؤكدة في التاريخ الحضرمي المدون من الثقاة أدواراً في مقاومة التوسع الاحتلالي للدولة القاسمية اليمنية في حضرموت ومناطق أخرى من الجنوب العربي، ومن ذلك الاستنجاد بقبائل يافع ان الكثيري الذي فقد عرشه وسلطنته بطلب من السلطان السلطان بدر بن عبد الله الكثيري (المعروف بـ بدر بن عبد الله بن عمر وشاركت قبائل يافع في القتال إلى جانبه ضد القوات القاسمية في القرن الحادي عشر الهجري وقد حدث الغزو اليمني الهمجي وقاد الإمام القاسمي حملة عسكرية كبرى باتجاه حضرموت عام 1070 هـ / 1659 م. جاءت هذه الحملة نتيجة صراعات داخلية على الحكم داخل الأسرة الكثيرية؛ حيث استعان عمه (بدر بن عمر الكثيري) بالإمام القاسمي لإزاحة ابن أخيه السلطان بدر بن عبد الله عن السلطة.
ويؤكد محرر «شبوة برس» أن قراءة هذا التاريخ ينبغي ألا تقتصر على الحروب والصراعات، بل يجب أن تستعيد كذلك الوسائل الاجتماعية التي ابتكرها المجتمع الجنوبي لوقف نزيف الدم، وفي مقدمتها مكانة السادة والمناصب والبيارق التي تحولت في الوعي الشعبي إلى رايات للهدنة والأمان.
ولذلك بقي البيرق، في الذاكرة الحضرمية، أكثر من راية تُرفع في المواكب؛ فقد أصبح رمزاً للصلح، وهيبةً تمنح حاملها القدرة على الدخول بين المتقاتلين، وإشارةً يفهمها الجميع بأن لحظة السلاح يجب أن تتوقف لتبدأ لحظة الإصلاح والسلام.
وعقد الألوية والرايات معروف في السيرة النبوية، وظلت الراية عبر التاريخ الإسلامي حاملة لمعانٍ متعددة، من الاجتماع والقيادة إلى إعلان الأمان والصلح، وهو ما منحها في بعض البيئات الاجتماعية مكانة رمزية راسخة.
شبوة برس يرى في هذا الموروث الحضـرمي والجنوبـي صفحة جديرة بالتوثيق، ليس تمجيداً للحروب القديمة، وإنما استحضاراً لثقافة اجتماعية جعلت من الهيبة الدينية والوجاهة القبلية وسيلة لوقف الدماء، وإعادة فتح الطريق أمام التسامح والوئام بين أبناء المجتمع.
