حين يرتفع صرير الأقلام من الغرف الفارهة، وتتدفق بيانات “النفير العام” عبر الشاشات المكيّفة في عواصم الشتات، يصبح الكلام رخيصاً، وتتحول دماء البسطاء إلى مجرد حبر يُكتب به التاريخ السياسي لتجار الحروب.
هكذا يطل علينا ما يسمى “المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية” ببيانه الأخير داعياً شباب اليمن ورجاله إلى رمي أنفسهم في خطوط النار والالتحاق بمعسكرات الموت، في وقتٍ يقبع فيه رئيس هذا المجلس حمود المخلافي في قلب إسطنبول محاطاً بالأمن والأمان ومستمتعاً برغد العيش مع أسرته وأبنائه وأقاربه!.
إن القيادة في ميزان الرجال ليست منصة خطابة، ولا حساباً موثقاً على منصات التواصل الاجتماعي، بل هي موقف يُصنع في خنادق الشرف.
القائد الحقيقي هو من يتقدم الصفوف، ويغبر وجهه بتراب المعركة، ويقتحم المواقع مع جنوده ليواجه المصير ذاته الذي يفرضه على أتباعه.
أما أن يجلس شخص في الفندق يصدر صكوك الموت ويحث أبناء الفقراء والمهمشين على التضحية بأرواحهم بينما يحتفظ بأبنائه في أرقى جامعات ومنتجعات الخارج فهذا لعمري هو منتهى السقوط الأخلاقي والسياسي.
من هنا نوجهها دعوة صريحة ومباشرة: إذا أراد المخلافي او غيره أن يصدقه الناس، وإن كان يؤمن حقاً بنفيره وبمعركته، فليحزم حقائبه فوراً ويعُود إلى اليمن في أول رحلة.
هاتوا أبنائكم وأقاربكم وحاشياتكم واجعلوهم في الخطوط الأمامية والمقدمة للجبهات في تعز وغيرها.
دعوا أبناءكم يتذوقون حرارة القيظ وقصف المدافع كما يتذوقها أبناء المواطنين الثابتين على ارضهم ممن لم يجدوا قوتاً ليومهم ناهيك عن تذاكر السفر إلى تركيا.
مالم تفعلوا ذلك وتعودوا متقدمين جموع المقاتلين، فلا حق لكم ولا لمجلسكم الصوري في توجيه كلمة واحدة للشباب اليمني.
كفى تغريراً بأولاد الناس، وكفى دفعاً بهم إلى محارق الموت والاستنزاف لتعزيز النفوذ والإثراء والمكاسب الشخصية من وراء البحار.
دماء الناس غالية لم تعد رخيصة لتكون وقوداً لشعاراتكم الجوفاء، والوعي الشعبي اليوم يرفض أن يُساق للموت دفاعاً عن كراسي وأملأك قادة يسكنون الفنادق.
إما التقدم في الصفوف الأولى مع أبنائكم، أو الصمت المطبق؛ فالشعوب لم تعد تشتري الوهم ممن يبيعون الموت من وراء الشاشات!