جنيف وميثاق القبائل.. أسئلة التفويض والتمثيل ومستقبل الشراكة في اليمن
*- شبوة برس – خاص
أثار انعقاد مؤتمر ميثاق الشرف القبلي لحماية المدنيين في جنيف السويسرية تساؤلات سياسية وقانونية تتجاوز عنوانه الإنساني المعلن، خصوصاً في ظل الحرب المستمرة، والتحولات التي طالت مؤسسات السلطة، وتراجع حضور بعض المكونات السياسية في مراكز القرار.
وفي قراءة للمشهد، حذّر المحامي جسار مكاوي من عدن من خطورة نشوء مسارات سياسية موازية تتجاوز المؤسسات والمرجعيات القائمة، معتبراً أن ما يجري يستدعي توضيح حدود المبادرة السويسرية، والجهات التي تمثلها، ومدى تفويض المشاركين فيها.
ويضع مكاوي مفارقة سياسية أمام المشهد اليمني؛ فبينما وُجهت انتقادات للمجلس الانتقالي الجنوبي بدعوى احتكار التمثيل الجنوبي ورفض الصوت الواحد، تبرز تساؤلات عن مدى احترام المبدأ نفسه عند إطلاق مسارات دولية تتناول قضايا التمثيل والترتيبات السياسية والأمنية دون وضوح مشاركة جميع الأطراف المعنية.
وتأتي هذه التساؤلات بعد قرارات يناير 2026 التي أطاحت بقيادات وشخصيات جنوبية من مواقع في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وأحدثت تغييراً في موازين التمثيل داخل مؤسسات السلطة.
ويشير مكاوي إلى أن برنامج الجهة المنظمة يتناول موضوعات تتصل ببناء الثقة بين أطراف النزاع، وتطوير ترتيبات أمنية طويلة الأمد، وتهيئة المجال السياسي للتفاوض، وهي ملفات تتجاوز في آثارها مجرد صياغة ميثاق قبلي لحماية المدنيين.
وكانت الحكومة السويسرية قد أعلنت أن اللقاء الذي انعقد في 29 أكتوبر 2026 نظمته منظمة DCAF، وأن الميثاق جاء ثمرة مشاورات وحوارات استمرت عامين بين قيادات قبلية من مناطق يمنية مختلفة، مع إعلان نحو خمسة آلاف شخصية يمنية تأييدها له. وهو ما يجعل مسألة التفويض والتمثيل وآليات التنفيذ جديرة بمزيد من الإيضاح.
ويطرح مكاوي أسئلة جوهرية: أين موقع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة من هذه المسارات؟ وما موقع المكونات السياسية التي شاركت في تشكيل المرحلة الانتقالية؟ وأين القضية الجنوبية وممثلوها؟ وهل يجوز اختزال التعدد السياسي والاجتماعي في شخصيات قبلية أو حزبية اختيرت للمشاركة في منصة دولية؟
ويرى أن هناك فارقاً قانونياً بين دعم حوار يمني وبين إنشاء مسار يقرر شكل السلطة أو يعيد توزيع الاختصاصات السياسية والأمنية؛ فالأول يدخل في إطار الوساطة ودعم الحوار، أما الثاني فيحتاج إلى أساس قانوني وتوافق وطني واضح، ولا يكتسب المشروعية لمجرد انعقاده في جنيف أو حصوله على غطاء دولي.
ويؤكد شبوة برس أن حماية المدنيين وخفض التصعيد وإنهاء الحرب أهداف لا خلاف على أهميتها، لكن ذلك لا يلغي حق المكونات الوطنية في معرفة طبيعة المبادرات التي تجري باسم اليمنيين، وحدود صلاحيات المشاركين فيها، وضمان عدم تجاوز القضايا السياسية الجوهرية تحت عناوين إنسانية أو قبلية.
فالقضية ليست اعتراضاً على الحوار أو الوساطة السويسرية، وإنما على أي ترتيبات قد تتجاوز الإرادة الوطنية والمؤسسات القائمة، أو تعيد تشكيل التمثيل السياسي دون مشاركة حقيقية لأصحاب القضايا المعنية.
ويبقى السؤال الأهم: إذا كان احتكار التمثيل مرفوضاً، فلماذا يُقبل أن تنشأ صيغ جديدة للتمثيل وإدارة الدولة من خلال مسارات دولية لا تتضح حدود تفويضها ولا آليات مساءلتها؟
إن مستقبل اليمن وقضية الجنوب لا يقررهما ميثاق يُصاغ في الخارج، ولا مجموعة شخصيات تتحدث باسم الجميع، وإنما إرادة أصحاب الحق ومشاركتهم الحرة في تقرير مستقبلهم.
المحامي جسار مكاوي – عدن.