مقدمة:
ألقى الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، مساء أمس، خطابًا بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر المجيدة، لافتًا في نبرته الهادئة وطرحه السياسي المتزن، بعيدًا عن لغة الهجوم أو التصعيد أو الثأر. وقدّم نموذجًا للدبلوماسية الجنوبية المدركة لدقة المرحلة الراهنة، وأصول مخاطبة الداخل والإقليم والعالم بوعي ومسؤولية واقتدار.
وكان التركيز واضحًا على مدّ اليد لاستعادة الشراكة الحقيقية القائمة على الندية مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية لمحاربة شر الحوثي، وكذلك التعاون مع المجتمعين الإقليمي والدولي في القضايا التي تهمهما، مثل أمن الملاحة ومحاربة الإرهاب وحماية الاستقرار.
ملخص الكلمة وأهمية ورمزية الظهور:
١- ظهور معنوي قوي وكلمة شاملة:
تكمن أهمية ظهور الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، خلال كلمته بمناسبة ذكرى ثورة 14 أكتوبر، في أنه أجاب عن كثير من الأسئلة، بما يتجاوز ما ورد في الكلمة نفسها.
وهي أسئلة ظلت مطروحة منذ أحداث يناير الماضي وما رافقها من خلافات وتوترات سياسية.
كما حملت الكلمة رسائل أكثر وضوحًا بشأن الأهداف والمسارات السياسية والوطنية والعسكرية القادمة، واتسمت بلغة تصالحية بعيدة عن الانتقام والثأر. ورغم اختصارها، فقد عكست مؤشرات على وجود تفاهمات مع الأطراف الإقليمية والدولية، ولا سيما الرباعية، بما قد يمهد لتغييرات في مسار العمل على الأرض خلال المرحلة المقبلة.
وقد تجلّى ذلك في الفقرة الموجهة إلى المملكة العربية السعودية، وإدانة ما تعرضت وتتعرض له من هجمات صاروخية حوثية. كما أن التوجيه الصادر قبل يومين عن قيادة المجلس الانتقالي بخفض التصعيد مع المملكة يعزز مؤشرات التفاهم على تجاوز الخلافات السابقة وما رافقها من أحداث، وفتح صفحة جديدة تقوم على الحوار والشراكة والمصالح المشتركة.
٢- عدم ربط قضية الجنوب العربي بأي ملفات محلية أو إقليمية أو دولية:
شكّلت كلمة الرئيس بشأن قضية الجنوب العربي نقلة واضحة في التأكيد على استقلالية القضية الجنوبية، وعدم ربط مصيرها بأي قضايا أخرى أو ترك تقرير مستقبلها للآخرين، بل التعامل معها بوصفها قضية شعب يمتلك أرضه وإرادته السياسية وقوته على الأرض، بدءًا بالاعتراف بالإعلان الدستوري وانتهاءً بحقه في تقرير المصير.
وكانت الكلمة قوية في وضوح رسائلها، التي تمثلت في:
١- وحدة الصف.
٢- حماية السيادة.
٣- إسناد القوات الجنوبية.
٤- الحضور الشعبي السلمي بوصفه رسالة سياسية إلى العالم.
كما حملت الكلمة مسارين للنضال: العمل العسكري، والنضال السلمي والتعبئة الشعبية الداعمة للجهود الوطنية والعسكرية.
٣- رفض القتال خارج أراضي الجنوب العربي:
حسم الرئيس في كلمته الجدل بشأن توجيه القوات المسلحة الجنوبية للقتال خارج حدود الجنوب العربي، مؤكدًا أن مهمة هذه القوات تتمثل في حماية شعب الجنوب العربي وحدوده وسيادته.
وبذلك وضع حدًا للتأويلات التي أعقبت تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن النفير والتعبئة العامة، بما يؤكد أن مشاركة القوات الجنوبية في أي عمليات خارج حدود الجنوب ينبغي أن ترتبط بقرار واضح وضمانات سياسية تحفظ حقوق شعب الجنوب العربي وتطلعاته، وأن مسؤولية التعبئة العامة تقع على عاتق الجهات المعنية بها.
التوصيات:
١- التمسك بالإعلان الدستوري والعمل على حشد الاعتراف الإقليمي والدولي به، مع تقديم رؤية سياسية واضحة تشرح فوائده للشعبين الجنوبي واليمني، وللإقليم والمجتمع الدولي، من حيث تعزيز الاستقرار والأمن. كما أن استمرار الوحدة اليمنية بصيغتها الحالية قد يُبقي على بنية الدولة العميقة التي أسهمت في إفشالها، ويتيح استمرار استغلال موارد الجنوب ومقدراته واحتكار النفوذ في مساحات واسعة من البر والبحر والجو، بما يعرقل بناء دولة مستقرة ويهدد فرص الإصلاح.
٢- التمسك بالموقف الثابت من محاربة المليشيات الحوثية، حفاظًا على أمن المنطقة والإقليم، بوصف ذلك مبدأ لا تراجع عنه، مع ضرورة تنظيم التعاون عبر اتفاقيات واضحة تشمل محاربة الإرهاب وغيرها من الملفات المشتركة.
٣- دعوة الشعب إلى المشاركة في مليونية 14 أكتوبر تحت شعار التعبئة العامة، وعلى كل جنوبي غيور تلبية دعوة الأخ القائد، لإيصال رسالة إلى العالم بأن شعب الجنوب متمسك بقضيته وقيادته، وأن مواجهة الحوثي ومنع تمدده إلى أرض الجنوب العربي يمثلان أولوية وطنية.
الخاتمة:
منح خطاب الرئيس وظهوره دفعة معنوية كبيرة للشعب والقوات المسلحة في جميع أنحاء الجنوب العربي، بعد تراجع نسبي في المعنويات عقب أحداث يناير الماضي وما شهدته من خلافات وتوترات أثرت في العلاقة بين المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقيادته وشعبه والمملكة العربية السعودية.
وفي الوقت نفسه، اتسم الخطاب بالمسؤولية والعقلانية والاتزان، وجمع بين لغة التصالح والقوة، وقدم ملامح خريطة سياسية للمرحلة المقبلة.
لقد عكس خطاب الرئيس حنكة سياسية وقدرة على التعامل مع تعقيدات المرحلة، دون التنازل عن الحقوق المشروعة لشعب الجنوب العربي، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام الشراكة والحوار والتفاهم بما يخدم المصالح المشتركة ويحفظ تطلعات شعب الجنوب.
م. جمال باهرمز
13 أكتوبر 2026م
