غرباء لا يحملون من الدنيا سوى أجساد أنهكها الجوع، وقلوب أنهكها الخوف، وحلم صغير بالوصول إلى مكان لا يطاردهم فيه الفقر ولا الموت.
عبروا شبوة، واتخذوا من جبال الكور طريقاً نحو المجهول. لم يكونوا يبحثون عن ثروة، ولا عن وطن بديل… كانوا فقط يبحثون عن فرصة للنجاة.
من بين هؤلاء مهاجرون أفارقة من التجرائي والأورومو وغيرهم، قطعوا آلاف الكيلومترات هرباً من الجوع والفقر والاضطرابات في بلدانهم، ليجدوا أنفسهم في طريق أكثر قسوة مما تركوه خلفهم.
هنا، في هذه الجبال الوعرة، يتحول الإنسان في أسوأ صور المأساة إلى رقم… ويُتداول الحديث عن بيع الفرد بمئة ريال سعودي.
مئة ريال فقط!
هكذا يصبح الإنسان، في سوق لا مكان فيه للرحمة، أرخص من أن يُسأل عن اسمه، أو عن أمه التي تنتظره، أو عن طفل ربما تركه خلفه وهو يحلم بالعودة يوماً محملاً بما يسد به جوع أسرته.
مرّوا من هنا… ثم وقعوا في أيدي من استغل غربتهم وضعفهم، وسط اتهامات وشهادات مؤلمة عن احتجاز المهاجرين وابتزازهم وتعريضهم للإهانة والخوف.
وليس أكثر قسوة من أن يهرب الإنسان من المجاعة، فيجد نفسه أسيراً للجشع.
جبال الكور ليست مجرد صخور ووديان في ذاكرة هؤلاء العابرين؛ إنها صفحة سوداء من رحلة بشرٍ ضاقت بهم أوطانهم، فدفعهم اليأس إلى طريق لا يعرفون نهايته.
هؤلاء ليسوا أرقاماً.
ليسوا «أفارقة» وحسب.
إنهم بشر… لهم أسماء، وأمهات، وآباء، وأطفال، وذكريات، وأحلام مؤجلة.
والسؤال الذي يبقى معلقاً بين جبال الكور:
كيف يستطيع إنسان أن ينظر إلى إنسان آخر جائع، خائف، غريب، ثم يرى فيه مئة ريال فقط؟
مروا من هنا…
ولعل بعضهم لم يجد طريق العودة.
لكن قصتهم يجب ألا تمرّ هي الأخرى بصمت.
