يستمر مشهد العبث السياسي والعسكري بتعرية نفسه يوماً بعد آخر كاشفاً عن مهزلة حقيقية يدفع ثمنها شعب الجنوب من أمنه واستقراره وثرواته. ولعل المشهد الهزلي للداعية واصل عبادي وهو يتباكى عاجزاً عن صعود منبر الجمعة لوعةً على تمكين أبناء حضرموت من أرضهم، يختزل بوضوح عقيدة منظومة النفوذ التقليدية والمحسوبين على الشرعية المتهالكة: بوصلة موجهة بالكامل نحو الجنوب وثرواته، وظهور منبطح ومستسلم أمام المد الحوثي في مناطقهم.

تتجلى هذه الازدواجية الفاضحة في بديهية ومفارقة صارخة يفهمها الصغير قبل الكبير؛ فهذا التباكي والوجد على جغرافيا الجنوب لم نره أو نسمعه من المدعو واصل عندما سقط الساحل الغربي، ومديرية المخا وباب المندب الاستراتيجية بيد الحوثي، ولا عندما سقطت عاصمتهم “صنعاء” ومؤسساتها واحتل قرى وبيوت قادة هذه المنظومة. حينها تخرس الألسن وتتبخر العقيدة القتالية وتتكدس الألوية العسكرية في حالة جمود مريب لحماية مكاسب “اقتصاد الحرب”. أما حين يلوح في الأفق أي تحرك جنوبي لتأمين الأرض وإدارة الثروة تهب هذه القوى جميعاً وتُعلن النفير الإعلامي والفتاوى الدينية خلف لافتات “السيادة والوحدة” الزائفة.

إن المعركة بالنسبة لهذه الأطراف المتخاذلة ليست معركة كرامة أو استعادة عاصمتهم وبيوتهم المسلوبة، بل هي معركة جغرافيا غنية بالنفط والغاز ومنافذ التهريب في مثلث الثروة (حضرموت، شبوة، والمهرة). لقد تحول الجنوب في عقيدتهم إلى تعويض بديل عن بلادهم التي تركوها طواعية للجماعة الحوثية مقابل تفاهمات تضمن بقاء نفوذهم. يخشى هؤلاء أن حسم المعركة يعني نهاية امتيازاتهم، لذا يستميتون في إبقاء حالة الجمود لاستنزاف التحالف والجنوب، وترك ألوية العمالقة والقوات الجنوبية تواجه آلة الموت وحيدة، بينما ينعم قادة الفنادق بالإعاشات وعائدات النفط.

لم تعد هذه اللعبة تنطلي على أحد. إن البكاء على حضرموت والمهرة من منابر تعز ومأرب، في وقت يرفرف فيه شعار الميليشيات فوق جبال صنعاء والساحل العربي والمخا، هو قمة السقوط الأخلاقي والعسكري. لقد آن الأوان لإنهاء هذه المهزلة، وترك تلك القوى تواجه خياراتها إما بتحرير أرضها بعقيدة حقيقية، أو الاستسلام لواقع صاغته بأيديها وبسبب تخاذلها.