*- شبوة برس – خاص
في قراءة سياسية حادة، يضع الدكتور ياسر اليافعي يده على واحدة من أبرز معضلات الحرب في اليمن: كيف تتراجع جبهات القوى المناوئة للحوثيين رغم سنوات الدعم العسكري والمالي، بينما يواصل الحوثيون تثبيت نفوذهم وتعزيز مواقعهم؟ ولماذا تحولت معركة يفترض أن يكون هدفها استعادة الأرض إلى ساحة لتقاسم السلطة والنفوذ بين القوى السياسية؟
يرى اليافعي أن قوة الحوثيين لا تعود إلى قدراتهم العسكرية وحدها، بل ترتبط أيضاً بقدرتهم على إقصاء خصومهم داخل مناطق سيطرتهم، وفي مقدمتهم حزب الإصلاح، وتجفيف مصادر تمويله وشل حركته السياسية والإعلامية والاجتماعية. وفي المقابل، يربط اليافعي النجاحات التي تحققت في الجنوب بمرحلة جرى فيها الحد من نفوذ الإخوان في إدارة المعركة، بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، بما أتاح للقوات الجنوبية تحقيق مكاسب ميدانية مهمة.
لكن، وفق قراءة اليافعي، بدأت معادلة المواجهة تتغير عندما عاد نفوذ حزب الإصلاح إلى مواقع مؤثرة في الإعلام والسلطة والمناصب السيادية والإيرادية، الأمر الذي يعتبره أحد أسباب تراجع الأداء وتفاقم الاختلالات داخل معسكر مناهضي الحوثيين. وهي اتهامات سياسية تفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل أصبحت الأولوية لتحرير الأرض، أم لإعادة تمكين الأحزاب وتوسيع حصصها في مؤسسات السلطة؟
ويرى شبوة برس أن أخطر ما في هذه المعادلة هو أن الجنوب الذي قدم التضحيات وحقق مكاسب عسكرية على الأرض يجد نفسه أمام محاولات لإعادة إنتاج منظومة النفوذ ذاتها التي عطلت الحسم وأغرقت مؤسسات الشرعية في صراعات المصالح والمحاصصة. فبدلاً من أن تكون النجاحات الجنوبية أساساً لبناء استراتيجية عسكرية أكثر فاعلية، تحولت هوية القوات الجنوبية ونفوذها إلى مادة للسجال السياسي، فيما بقيت الأسئلة المتعلقة بأداء القيادات ومصير الموارد ومحاسبة المقصرين معلقة.
إن المشكلة لا تُحل بتبديل الشعارات أو تحميل القوات الجنوبية مسؤولية تعثر جبهات أخرى، بل بمواجهة أسباب الإخفاق داخل المؤسسات التي تتولى إدارة الحرب. فمن يحصل على الدعم والسلاح والتمويل، ثم يعجز عن تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ميدانية تتناسب معها، مطالب بتقديم إجابات واضحة للرأي العام، لا باختراع خصوم جدد لتبرير العجز.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لمعركة استعادة صنعاء أن تتقدم بينما تتنازع القوى السياسية على مواقع النفوذ، وتُدار المؤسسات بمنطق الحصص، وتظل المحاسبة غائبة عن ملفات الإخفاق؟ وكيف يُطلب من الجنوبيين مواصلة تقديم التضحيات، بينما تُثار الشكوك حول توظيف نتائج تلك التضحيات في ترتيبات سياسية لا تضمن للجنوب حقوقه ولا تحمي قراره الوطني؟
لقد أثبتت التجربة أن كثرة القوات وحجم الدعم لا يصنعان نصراً تلقائياً، وأن أي معركة تهيمن عليها الحسابات الحزبية معرضة للتعثر مهما توافرت لها الإمكانات. كما أن مواجهة الحوثيين لا يمكن أن تتحول إلى غطاء مفتوح لإعادة توزيع المناصب والموارد، أو إلى وسيلة لتمكين قوى سياسية على حساب القوات التي تتحمل العبء الأكبر في الميدان.
أما الجنوب العربي، فليس ملزماً بدفع فاتورة صراعات الآخرين إلى ما لا نهاية. ومن حقه أن يحمي قواته، ويصون مكتسباته، ويرفض تحويل تضحيات أبنائه إلى رصيد تفاوضي في أيدي القوى المتنافسة على السلطة. فالشراكة الحقيقية تبدأ باحترام إرادة أصحاب الأرض، لا بمحاولة إخضاع قرارهم لحسابات الأحزاب ومراكز النفوذ.
إن جوهر ما يطرحه اليافعي يستحق مواجهة سياسية جادة: لا يمكن الحديث عن استعادة صنعاء فيما تظل أسباب التعثر بلا معالجة، ولا يمكن مطالبة الجنوبيين بمزيد من التضحيات فيما تتقدم المحاصصة على المحاسبة، وتُقدَّم المصالح الحزبية على متطلبات المعركة.
“المعركة لا تحتاج إلى شماعات جديدة، بل إلى كشف أسباب الفشل ومحاسبة المسؤولين عنه. أما الجنوب، فلن يكون مخزناً للتضحيات التي يجني الآخرون ثمارها السياسية”.
