الجيش الذي سلّم صنعاء.. سقوط الدولة وفضيحة القيادات العسكرية

*- شبوة برس – خاص
لم تسقط صنعاء لأن الحوثيين امتلكوا قوة خارقة لا تُقهر، بل لأن المؤسسة العسكرية التي كان يُفترض أن تحمي الدولة والجمهورية عجزت عن أداء مهمتها، وسط اتهامات واسعة لقيادات عسكرية وسياسية بالتواطؤ والتخاذل وترك العاصمة تسقط دون مقاومة تتناسب مع حجم القوات والإمكانات التي كانت متاحة آنذاك.

المأساة الأكبر أن الدولة لم تكن تفتقر إلى المعسكرات والألوية والأسلحة، بقدر ما كانت تعاني أزمة ولاء وقيادة وقرار. فعندما جاءت لحظة الاختبار، لم تتحول تلك الترسانة إلى جدار دفاع يحمي العاصمة، وانتهى المشهد بانهيار مؤسسات الدولة وصعود الحوثيين إلى السلطة.

عمران كانت الإنذار الأول. ففي يوليو 2014، انتهت معركة اللواء 310 المدرع بمقتل قائده حميد القشيبي وسقوط عمران بيد الحوثيين، بعد انهيار دفاعات اللواء ووصول أسلحته إلى أيدي الجماعة. ولم تكن تلك الهزيمة حادثة عابرة؛ فقد فتحت الطريق أمام تقدم الحوثيين نحو العاصمة، وكشفت عمق الاختلال في بنية المؤسسة العسكرية.

ثم جاء سبتمبر 2014، وسقطت صنعاء. لم تكن العاصمة خالية من المعسكرات أو الألوية أو الأسلحة الثقيلة، ومع ذلك لم تتحرك المؤسسة العسكرية بوصفها جيش دولة واحدة لوقف اجتياح الحوثيين. وتداخلت حسابات الخصومة السياسية والصراع على النفوذ والولاءات داخل الجيش، فكانت النتيجة كارثية على الجمهورية ومؤسساتها.

ويرى شبوة برس أن أخطر ما في تلك المرحلة لم يكن مجرد خسارة مواقع عسكرية، بل انهيار مفهوم الجيش الوطني نفسه. فحين تتحول الوحدات العسكرية إلى أدوات في صراعات القيادات، وتصبح حماية النفوذ أهم من حماية الدولة، فإن السلاح يفقد وظيفته الوطنية، وتتحول المعسكرات من حصون للجمهورية إلى مخازن تنتظر الجهة التي ستستولي عليها.

ومن أبرز المفارقات أن الفرقة الأولى مدرع، التي ارتبطت بقيادة علي محسن الأحمر، لم تتمكن من منع سقوط صنعاء، رغم ثقلها العسكري السابق. كما لم تنجح بقية التشكيلات في تشكيل جبهة دفاع موحدة تنقذ العاصمة من قبضة الحوثيين.

ولا يمكن اختزال سقوط صنعاء في شخص واحد أو تفسيره بسبب واحد؛ فقد تداخلت قرارات القيادة، والانقسامات داخل الجيش، والتحالفات السياسية المتناقضة، وتراكمات الصراع على السلطة. لكن تعدد الأسباب لا يعفي المسؤولين عن القرارات العسكرية من المساءلة.

ويرى شبوة برس أن الدرس الأشد قسوة هو أن الشعارات الجمهورية لا تصنع جيشاً، وأن الرتب العسكرية لا تمنح أصحابها شرفاً تلقائياً. الشرف يُقاس بما يحميه القائد، وبما يفعله حين تكون الدولة على حافة السقوط.

لقد دفعت البلاد ثمن انهيار المؤسسة العسكرية، ودفع المواطنون ثمن صراعات القيادات وحساباتها. أما الذين تركوا العاصمة تسقط، فإن مسؤوليتهم السياسية والعسكرية تظل سؤالاً مفتوحاً أمام التاريخ والمحاسبة.

فالجيش الذي يعجز عن حماية عاصمته يحتاج إلى مراجعة شاملة، والقيادة التي تخفق في واجبها لا ينبغي أن تختبئ خلف الشعارات. الأوطان لا تسقط بالسلاح وحده؛ تسقط حين يتقدم الولاء للأشخاص على الولاء للدولة، وحين تصبح حسابات السلطة أغلى من مصير الشعب.