لم يعد خافياً على ذي عينين أن الماكينة الإعلامية والسياسية في الغرب تمارس تفكيكاً متعمداً لمفهوم العدالة الجنائية عندما يتعلق الأمر بالمسلمين؛ فبينما يُحاكم الجاني غير المسلم بموجب أبعاده النفسية، والاجتماعية، وضغوطاته الفردية، يُجرّد المسلم فوراً من بشريته وتُصنف خطيئته —أو حتى مجرد الاشتباه به كما حدث في أزمة طائرة “فلاي دبي”— تحت بند “الإرهاب العقائدي” العابر للقارات. إنه نهج تنميطي خطير يحوّل ملايين الأبرياء إلى متهمين مؤجلين في محكمة الوعي الغربي.

إن هذا الكيل بمكيالين يمثل ذروة السقوط الأخلاقي؛ إذ كيف لغربٍ يستدعي التاريخ والجغرافيا والتحليل النفسي لتبرير مجازر جماعية وجرائم فردية يرتكبها منتسبوه، أن يختزل سلوك إنسان مسلم مأزوم نفسياً أو مضطرب عقلياً في نصوص دينه؟ والأدهى من ذلك هي تلك المفارقة السريالية؛ كيف يطلب الغرب ممن يوصمونه ليل نهار بالإرهاب ويسلبونه حقه في المحاكمة العادلة، أن يتعامل معهم بمودة وصفاء؟ إنهم يزرعون بذور الإقصاء والتمييز وشيطنة الآخر، ثم يتوقعون حصاداً من المحبة والسلام. العدالة والإنصاف هما منبت المودة، ولا يمكن لمن يهدم الكرامة الإنسانية أن يطالب ضحيته بحسن المشاعر.

وأمام هذا التشويه الممنهج تقف الحقائق الدامغة لتعلن براءتها؛ فالإسلام في جوهره وتشريعه هو دين العدل والمحبة والسلام الأصيل. يقول الله تعالى في محكم التنزيل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ» (النساء: 135)، وهي دعوة صريحة للعدالة المطلقة التي لا تتبدل بتبدل الهويات. كما أن القتل والترويع محرم بأغلظ النصوص، حيث يعادل الإسلام إزهاق النفس بدم بارد بإبادة البشرية جمعاء: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» (المائدة: 32). هذا هو الاسلام، هذا هو التشريع الذي يقدس الحياة ويحمي المستأمن والبريء.

إن تبرئة الإسلام من جرائم الأفراد ليست دفاعاً استجدائياً، بل هي حقيقة موضوعية؛ فالمنحرفون يمثلون أنفسهم وضغوطاتهم، لا عقيدتهم. وإذا أراد العالم الغربي استقراراً حقيقياً ومودة متبادلة، فعليه أولاً أن يحرر وعيه من عقدة الفوقية، وأن يكف عن صناعة الأعداء بالتوظيف السياسي المتسرع للحوادث العارضة. إن احترام إنسانية المسلم ومعاملته بموجب القانون لا الهوية هو السبيل الوحيد لهدم جدران الكراهية وبناء جسور السلام المشترك.