عندما تنقضي ستة عقود ونيف على حدث سياسي أو تحول تاريخي بحجم ما سُمي بـ “ثورة 26 سبتمبر”، فإن هذه الحقبة الزمانية الممتدة لـ 64 عاماً لم تكن مجرد أرقام في تقويم الزمان، بل كانت كفيلة — لو أُتيحت لها الإرادة والسيطرة الرشيدة — بأن تبني دولة حديثة تتبوأ مكانتها بين مصاف الدول المتقدمة والمتطورة.

كنا نقرأ على الدوام في الصفحة الأولى لصحيفة “الثورة” الأهداف الستة المعلنة، وفي مقدمتها إقامة نظام جمهوري عادل، وبناء جيش وطني قوي، ورفع مستوى الشعب اقتصادياً واجتماعياً، واحترام الميثاق والأعراف الدولية. ولكن، إذا ما أردنا قراءة الحصاد بشفافية وتجرد بعيداً عن الشعارات العاطفية، يُطرح السؤال الجوهري: ماذا تحقق من تلك الأهداف؟

الواقع المشهود يشير إلى أن أياً من تلك الأهداف لم يجد طريقه إلى التحقيق الفعلي، بل إن المؤسسات تراجعت لعقود إلى الخلف، واستُعيض عن مفهوم “الدولة والقانون” بنفوذ شبكات ومراكز قوى أدارت المشهد لحسابها، ممّا أدى إلى تآكل البنية التحتية، وزعزعة الاستقرار، وغياب دولة المؤسسات الحقيقية التي يحتمون تحت مظلتها.

وفي المقابل، إذا ما عدنا بالذاكرة إلى الجنوب في تلك الحقبة وما تلاها، فقد كان يمتلك مقومات استقرار ودولة مدنية مشهودة؛ بدءاً من الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والتعليم والأمن الاجتماعي الذي نادرًا ما وُجد له نظير، وصولاً إلى النظام المالي والانضباط الاقتصادي الذي حافظ على قيمة العملة وقوتها الشرائية.

غير أن التحولات السياسية المتعاقبة، وصولاً إلى تجربة الوحدة التي فرضت واقعاً مأساوياً على أبناء الجنوب العربي، أسهمت في تجريف تلك المقومات المدنية، وأدخلت المنطقة في سلسلة من الصراعات والحروب المتواصلة التي حصدت أرواح مئات الآلاف وأنهكت كاهل المواطن، حتى آلت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية إلى مستويات غير مسبوقة من التردي.

إن قراءة التاريخ بوعي ودون تزييف هي الخطوة الأولى نحو فهم الحاضر وتصحيح المسار. وإن الشعوب التي تتطلع إلى بناء مستقبله لا يمكن أن تظل رهينة للوعود الشفهية والأهداف المدونة على الورق، بل تستحق نظاماً يضمن لها الكرامة، والأمن، والاستقرار، والحق في إدارة شؤونها وتنمية أرضها بعيداً عن هيمنة الصراعات التي أثبتت العقود الماضية عقمتها وفشلها.