*- شبوة برس – خاص
شهدت مدينة كريتر في العاصمة عدن، أمس، أجواءً روحانية واجتماعية مميزة مع إقامة الزيارة السنوية للإمام أبي بكر بن عبدالله العيدروس، في مشهد أعاد إلى الذاكرة جانبًا من الموروث العدني الذي ظل حاضرًا في حياة المدينة عبر أجيال متعاقبة.
ورصدت “شبوة برس” أجواء الزيارة وما رافقها من حضور شعبي، حيث بدت المناسبة بالنسبة لكثير من أبناء عدن تعبيرًا عن موروث اجتماعي وروحي ارتبط بتاريخ المدينة، وليس مجرد مناسبة دينية عابرة. فالزيارة، بما تحمله من طقوس وذاكرة جماعية، تستحضر صورة عدن القديمة التي عُرفت بتنوع سكانها وتعدد مشاربهم ومذاهبهم وأديانهم.
وفي الذاكرة الشعبية لأبناء عدن، عاش المسلمون من مذاهب واتجاهات مختلفة إلى جانب اليهود والمسيحيين والهندوس وغيرهم، في أحياء وأسواق ومجتمعات متجاورة، وظل الاختلاف الديني والمذهبي في كثير من مراحل تاريخ المدينة شأنًا شخصيًا لا يحول دون الجيرة والمصاهرة والصداقة والتعامل اليومي.
ويشير متابعون إلى أن هذا التعايش لم يكن مرتبطًا بنظام سياسي بعينه، بل كان جزءًا من طبيعة المجتمع العدني وتركيبته التاريخية. وحتى خلال مراحل حكم روفلات الجبهة القومية والحزب الاشتراكي الماركسي، استمرت زيارة العيدروس باعتبارها ممارسة اجتماعية ودينية متوارثة، ولم تتحول إلى قضية صراع مجتمعي كما حدث لاحقًا مع تصاعد خطاب التشدد والتكفير.
وتعيد الزيارة أيضًا التذكير بإرث حضرمي وجنوبي ارتبط بالمدرسة السنية الشافعية وبالتقاليد الصوفية المعتدلة، وبالدور التاريخي لعلماء حضرموت والسادة العلويين في نشر الإسلام في مناطق واسعة من آسيا وإفريقيا وغيرها، وهي مسألة تاريخية وثقافية تركت أثرًا عميقًا في هوية مدن الجنوب العربي.
وتؤكد شهادات متداولة من أبناء عدن أن المدينة عرفت التعايش مع مختلف المذاهب والطوائف، وأن معيار العلاقة بين الناس كان الجيرة والاحترام والموقف الإنساني، لا مجرد الانتماء المذهبي.
وفي هذا السياق، ترى “شبوة برس” أن القيمة الأبرز في مشهد زيارة العيدروس لا تكمن فقط في تفاصيل المناسبة، وإنما في ما تستحضره من صورة عدن التي عرفها أهلها: مدينة تتسع للجميع، وتحافظ على خصوصيتها، وتحترم اختلاف الناس ما دام الاختلاف لا يتحول إلى اعتداء أو إكراه أو استباحة للحقوق.
كما أن رفض تحويل المذاهب والأديان إلى أدوات للصراع السياسي والعسكري لا يعني تقييم عقائد الناس أو الدخول في جدل ديني حول صحة ممارسة بعينها، وإنما يعني التمسك بمبدأ اجتماعي عاشته عدن طويلًا، وهو أن الاختلاف لا يساوي العداء، وأن الإنسان يُعامل على أساس سلوكه وموقفه من الآخرين.
وتبقى زيارة العيدروس، بكل ما تحمله من ذاكرة وموروث، مناسبة لاستعادة جانب من عدن القديمة؛ عدن التي كان التنوع فيها جزءًا من الحياة اليومية، وكان التسامح والجيرة والمحبة عناصر أساسية في نسيجها الاجتماعي، قبل أن تتسلل إلى المجتمع خطابات التشدد والتكفير التي أسهمت في تحويل الاختلافات الدينية والمذهبية إلى وقود للصراعات.
عدن التي تتذكرها أجيالها ليست مدينة لون واحد، بل مدينة متعددة الوجوه والمشارب، وفي هذه الذاكرة تكمن إحدى أهم خصائصها التاريخية: أن يعيش المختلفون جنبًا إلى جنب، وأن تبقى المحبة والجيرة أوسع من المذهب، وأن يكون احترام الإنسان وحقه في ممارسة معتقده جزءًا من روح المدينة وهويتها.


