إن من الأمور التي تجعل المسلم المؤمن بكتاب ربه، يتوقف – طويلًا – أمام كثيرٍ مما نُسب إلى النبي ﷺ من كلام، ولا يقبله لمجرد وروده في كتب المرويات، أن يجد تشابهًا كبيرًا بين تلك المرويات وبين نصوص كتب أهل الكتاب، ولا سيما التوراة وشروحاتها، في أمورٍ لا نجد لها مُعتَضَدًا – ولا حتى رائحةً – في القرآن المجيد.
وهنا يثور سؤالٌ مشروع: لماذا لجأ واضعو هذه الأحاديث على اللسان الطاهر الصادق لسيدي رسول الله، إلى تلك الأساطير الموروثة عن الأمم السابقة؟! ولماذا استُحضرت قصصٌ من كتب أهل الكتاب، وكأن القرآن – وحده – ليس كافيًا، وكأن الله ترك في كتابه نقصًا – تعالى عن ذلك – يحتاج إلى أن تَسُدَّهُ أقاويلُ وأحدوثاتٌ هي أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة؟!
ولا جَرَم والله، إنني أراهم المعنيين بقول مَن قوله الفصل: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾؟ [العنكبوت: 51].
هذا وإن من أكثر الأمور التي تثير استياءنا الشديد – نحن المتنورين بالقرآن والعقل – وغيرتَنا على دين الله، أن تُنسَبَ إلى هذا الدين العظيم قصةٌ لا وجود لها فيه، ثم يُتعامَلَ معها وكأنها من حقائق الخلق التي لا تجوز مناقشتها. وتلك الأقصوصة – عزيزي القارئ – هي الزعم بأن زوج أبينا آدم خُلِقَت من ضِلَعِه!
على الرَّغم من أن القرآن – حين تحدث عن أصل الإنسان – لم يقل إن المرأة أُخرجت من ضِلَع رجل، ولم يَذكر أن الله ﷻ اقتطع جزءًا من جسد آدم ليصنع منه زوجه؛ وإنما قال بوضوح:
- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1].
- ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189]
و ﴿مِنْهَا﴾ أي: من نوعها، والضمير عائدٌ إلى النفس لا الجسد.
أما الروايات المنسوبة إلى النبي ﷺ؛ فقد جاء فيها هذا المعنى – مع شديد الأسف – بألفاظٍ صريحة، ومن أشهرها هذا النص:
«اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاء» (البخاري: 3331، 5185، 5186 – مسلم: 1468).
وبغض النظر عمَّا في هذا الكلام من إساءةٍ إلى المرأة بوصفها بالعِوَج، وهو أمرٌ غيرُ مستغربٍ من الروايات الموضوعة على اللسان الطاهر؛ إذ وُصفت المرأة في تلكم المرويات بنقصان العقل، وبأنها تُقبل وتُدبر كالشيطان!
بغضّ النظر عن كل ذلك؛ فإننا نقول: اللافت هنا أن لهذه الحكاية وجودًا في التراث اليهوديّ، وبنصٍّ صريحٍ في سِفر التكوين:
«فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ، وَفِيمَا هُوَ نَائِمٌ أَخَذَ إِحْدَى أَضْلَاعِهِ وَسَدَّ مَكَانَهَا بِلَحْمٍ. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلَهُ امْرَأَةً مِنَ الضِّلْعِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ، فَجَاءَ بِهَا إِلَى آدَم» [التكوين 2 :21 – 22]
إن استنكارنا هنا ليس استنكارًا لقدرة الله تبارك في عليائه؛ بل استنكارٌ لأن تُحمَّلَ آياتُ القرآن ما لم تقله، وأن تُلحَقَ بالدين حكايةٌ من نسج الخيال، ثم تُقدَّمَ للناس بوصفها كلامًا من النبي، بل وحيًا من الله!
