شبوة برس – خاص
الصبيحة ليست اسمًا يُقال، ولا بقعةً يُشار إليها على خارطة العالم؛ بل هي تاريخ وذاكرة حيّة، تختزنها أمواج البحر العربي وخليج عدن، وتتجذّر في جبال خرز والأغبرة والمحاولة وكهبوب وباب المندب، وتمتد عبر سهولها ووديانها حتى شواطئها في رأس العارة وخور العميرة والنابية.

إنها السياج الواقي لبوابة الجنوب الغربية؛ فإذا هبّت رياح المحن ودنت المخاطر، نهضت جبالها، وتكلّمت حجارتها، واستيقظت عزائم رجالها، تقاوم بإرادة لا تنكسر، وثبات يقهر المستحيل.

ورصد شبوة برس، في هذه الشهادة التي كتبها د. محمد الزعوري، صورة للصبيحة وهي تحفظ تاريخ رجالها وتضحيات أبنائها، حيث تصافح الجبال زرقة السماء، وتلامس أمواج البحر شواطئها، وتحفظ الوديان وقع خطى الرجال، وتؤرخ لمواقفهم وهم يصنعون المجد بثبات لا تهزّه مغامرات الأعداء.

وهناك، حين يتجلّى غضب الرجال وعنفوانهم، تتبدد المخاطر كسحابة صيف، وكأن الأرض تعرف أبناءها واحدًا واحدًا؛ تحفظ أسماءهم، وتحتضن دماء شهدائها، وتضمد جراح من عاد إليها جريحًا، وتمنح وفاءها لمن ظل واقفًا يحرس حدودها بعين لا تنام.

في الصبيحة، تقاتل الحجارة مثلما يقاتل شبابها الذين استرخصوا حياتهم في الذود عنها، تحت راية الجنوب. عهد الرجال ثابت. وللوطن ذاكرة لا تنسى؛ تحفظ المواقف، وتسجّل بأحرف من نور سفر البطولات ومآثر الأبطال. إنها جنوبية الهوى والهوية، حرّة أبية، لا تقبل الوصاية، ولا تنسى من خذلها.

ومن كرش إلى طور الباحة إلى المضاربة، تمتد ملحمة الصمود على سفوح الجبال وبين الشعاب؛ قصة رجال جعلوا من مواقعهم المتقدمة خنادق للثبات، ومن ليالي المرابطة في الثغور صفحات من الوفاء، كُتبت فصولها بالتضحيات.

وفي مقدمة هؤلاء رجال القوات المسلحة الجنوبية، الذين يواصلون أداء واجبهم في حماية الأرض والذود عن حياض الجنوب، ويجسّدون في مواقعهم المتقدمة معاني الانضباط والشجاعة والثبات، تحت راية الوطن، لتبقى أرض الجنوب مصانة وأهلها آمنين.

ومن العاصمة عدن، قلب الجنوب، ومن لحج مهد الثورة، ومن الضالع قلعة الصمود، وأبين البأس، وشبوة بوابة النصر، ومن حضرموت التاريخ، والمهرة الشموخ، وسقطرى الإباء، تتلاقى الإرادات وتتدفق التضحيات في ملحمة تجسّد روح الهوية الجنوبية، وتروي قصة وطن يمضي بإرادة لا تنكسر نحو الحرية والاستقلال.

سلام على كل شهيد وُوري الثرى، فصار الثرى شاهدًا على طهر تضحياته، وعلى كل جريح يحمل في جسده أثر المعركة، وفي قلبه حكاية وطن، وعلى كل أسير ومعتقل ينتظر يوم الخلاص، مؤمنًا بأن للحرية موعدًا.

أيها المرابطون في الجبهات، لكم من شعب الجنوب كل التقدير والوفاء؛ أنتم حُرّاس الأرض وسند الوطن، تبذلون أرواحكم في سبيل صون ترابه وكرامته، وتكتبون بتضحياتكم صفحات من البطولة والفداء.

فيا صبيحة، سيبقى اسمك محفورًا في ذاكرة الجنوب العربي؛ لا بالحبر وحده، بل بالتضحيات والدماء الطاهرة التي قُدّمت عند ثغورك المنيعة، وبدموع الأمهات، وصبر الجرحى، وأرواح الشهداء الذين نحتوا أسماءهم في سفر الخالدين.

المجد للشهداء، والشفاء للجرحى، والحرية للأسرى والمعتقلين، والنصر للجنوب العربي.

«يا جنوب… لك العمر ما بقينا»

د. محمد الزعوري
18 سبتمبر 2026م