تحوّل السقوط الخاطف لمدينة المخا الاستراتيجية ومضيق باب المندب بيد جماعة الحوثي إلى زلزال جيوسياسي أعاد ترتيب الأوراق في المشهد اليمني، تاركاً خلفه تساؤلات حارقة حول خفايا الانهيار السريع لجبهة كانت تُصنف بأنها الأكثر تحصيناً وامتلاكاً للعتاد العسكري.

عند تفكيك التقارير الميدانية والاستخباراتية، يتبين أن السقوط لم يكن نتاج معركة تقليدية، بل جرى عبر اختراق تكنولوجي واستخباراتي معقد؛ حيث شنت الجماعة ضربات دقيقة بالمسيرات استهدفت غرف العمليات المشتركة في جبل النار لقطع الاتصالات بالتزامن مع بث أوامر انسحاب مزيفة ومستنسخة عبر الذكاء الاصطناعي لشل حركة الوحدات.

هذا الاختراق أحدث حالة ذعر ميداني عارم، ودفع القوات لإخلاء مواقعها وترك ترسانة ضخمة من الأسلحة دون قتال فعلي.

في عمق هذا اللغز يبرز التساؤل حول سر “الصمت الدبلوماسي الحذر” تجاه قائد هذه القوات طارق صالح وغياب أي اتهام علني له بالخيانة أو صدور قرار بفصله من مجلس القيادة الرئاسي، على العكس مما حدث مع قيادات أخرى سابقاً.

الحقيقة أن الرياض ومجلس القيادة يدركان أن الإقصاء الفوري لطارق صالح سيمثل رصاصة الرحمة على ما تبقى من الهيكل الصوري لـ “الشرعية”، ويُظهر تصدعها أمام المجتمع الدولي. علاوة على ذلك فإن الصدام العلني مع قيادة قوات “المقاومة الوطنية” قد يدفع وحداتها المشتتة على خطوط التماس إلى التمرد الكامل أو فتح خطوط تواصل خلفية مع الحوثيين لحماية أنفسهم، وهو سيناريو كارثي تسعى الرياض لتجنبه.

لذا فضلت السعودية استراتيجية “تفكيك النفوذ الهادئ”، حيث أبقت على الصفة السياسية الشرفية لطارق صالح الذي يتواجد حالياً في الرياض بينما شرعت ميدانياً في تجريده من مخالبه العسكرية.

 وتجلى ذلك في ترتيبات سحب البساط اللوجستي والمالي عبر إعادة تشكيل “المقاومة التهامية” كقوة مستقلة تتبع عمليات التحالف مباشرة.

 أما فيما يخص بقايا قواته في الساحل فإن التوجه يتجه نحو تفكيكها ودمجها ضمن أطر أمنية محلية جديدة لملء الفراغ، بينما تظل القوات الجنوبية والعمالقة وحدها في مواجهة العبء العسكري المباشر لحراسة حدود لحج وباب المندب وسط مناخ ثقيل من انعدام الثقة.

المستفيد الأكبر من هذا المشهد المعقد ينقسم إلى شقين: جماعة الحوثي وإيران التي حازت ورقة ضغط جيو-سياسية هائلة للتحكم بالملاحة الدولية وخنق الجوار الإقليمي، وفي المقابل القوى الدولية الكبرى التي وجدت في هذا التحول الذريعة الأمنية والقانونية المطلقة لـ “العسكرة الدائمة” للبحر الأحمر بحجة حماية التجارة العالمية.

يتبع الجزء 2/2