في مملكة الواق واق الشهيرة حيث تُدار المؤسسات بمنطق مصائب القوم عند اللجان فوائدُ كان هناك قطاع وزارّي يُضرب به المثل في الصبر فموالوه يعيشون في النعيم وبقية موظفيه يعانون تمييزاً إدارياً وحسرة معيشية تجعل غلاء الأسعار بالنسبة لهم مجرد عرض جانبي .
وفي يومٍ أشرقت فيه الشمس من جهة الأمل تكرّم محافظ إحدى المحافظات التجارية العريقة بصرف قطعة أرض واسعة ومتميزة لصالح هؤلاء الموظفين الكادحين .
لم يكن أحد من الموظفين غبياً ليفكر في البناء هناك؛ فالأرض بعيدة جداً عن مقر عملهم ومساكنهم. لكن الخطة كانت أصفى من الماء نستلم الأرض نبيعها فوراً وكل موظف يأخذ حصته كاش
أحدهم كان يمني النفس بشراء شقة صغيرة ترحمه من ذل الإيجار ومطاردات المؤجر نهاية كل شهر وآخر خطط لتسديد ديونه، وثالث حلم بتأمين علاج لأطفاله أو بدء مشروع صغير يرفع عنه يد الحاجة . كانت الأرض بالنسبة لهم قارب نجاة حقيقياً .
ولأن قوانين الواق واق تفرض ألا تتحرك ورقة إلا بـ لجنة تم تشكيل اللجنة العليا لتوزيع الأراضي والمستحقات .
وهنا انطلقت الشرارة .
أحد أعضاء اللجنة ممن يملكون خيالاً استثمارياً شريراً وقف في أول اجتماع ونظر إلى الخريطة ثم قال بزفرة حزينة :
يا قوم هل تتركون هؤلاء الموظفين يبيعون الأرض ويشترون شققاً ويحسنون أوضاعهم المالية؟ إن الراحة تُفسد الموظف والأشد خطراً أنهم لو استغنوا في الدنيا قلّ صبرهم وضاع أجرهم العظيم عند رب العالمين .
ساد الصمت الدقيقة ثم اشرأبت الأعناق وهتف باقي الأعضاء بصوت واحد نِعمَ الرأي تضحية منا نبيع نحن الأرض ونأخذ الثمن ونترك لهم الأجر والثواب كاملاً .
لكن الرياح لا تجري دائماً بما تشتري السفن فما إن دخلت المبالغ المفترضة في حيز الحسابات حتى اشتعلت حرب الحصص بين أعضاء اللجنة والوزير . كل طرف يرى أن جهده في حرمان الموظفين يتطلب نسبة أكبر من الكعكة .
ومن رحم هذا الخلاف ولد بطل قصتنا الأسطوري المكوك .
وهو عضو في اللجنة تخصصه الفريد هو السفر الدائم رايح جاي جاي رايح بين مقر المحافظة التجارية وديوان الوزارة يقطع مئات الكيلومترات يستهلك الوقود ويهدر أطنان التحيات والمجاملات لا لشيء إلا لـ تقريب وجهات النظر ودوزنة الحصص بين الكبار .
مرت الشهور وتلتها شهور و المكوك لا يهدأ له إطارات ولا يستريح له بال رايح جاي بينما الأرض معلقة والصفقة مجمّدة لأن السادة لم يتفقوا بعد على كيفية تقسيم الغنيمة .
وفي أحد الأيام تجرأ أحد الموظفين وسأل بحسرة يا لجنة متى نبيع الأرض لنشتري الشقق ونرتاح من الإيجار ؟
فرد عليه عضو اللجنة بابتسامة روحانية عريضة
يا بني الإيجار ابتلاء والابتلاء يرفع الدرجات نحن نتقاتل في أروقة الوزارة والمحافظة ونعاني الخلافات ونتحمل إثم هذه الأموال نيابة عنكم فقط لتبقوا فقراء صالحين تدخُلون الجنة قبلنا بـ خمسمائة عام .
وقف الموظف مبهوتاً ينظر إلى زملائه لا يدرون:د هل يتقدمون بطلب استثناء ليصبحوا أغنياء مذنبين بدلاً من هذه الصالحات الزاهدة أم ينتظرون المكوك عسى أن يضل طريقه في إحدى رحلاته المكوكية فيصحو ضمير الأرض وترجع إلى أصحابها .
وما زال المكوك حتى هذه اللحظة رايح جاي
