ما شهدته مديريات غربي تعز والساحل الغربي من تساقط متسارع للمواقع والمعسكرات والمديريات بيد الحوثي كما تتساقط أحجار الدومينو يشهد أن أية مساهمة جنوبية في الصراع بين الأشقاء الشماليين لن تكون ذات قيمة حتى لو ذهب كلُّ الجنوبيين للدفاع عن تعز أو المخا أو غيرها من مناطق الجمهورية العربية اليمنية الشقيقة (سابقًا) لأن أهل الأرض لا يثقون بالقيادة (الشرعية) التي تدّعي قيادتها للحرب، ولأن ما قاله وزير الدفاع السابق (علي المقدشي) عن السبعين بالمائة من الأسماء الوهمية كان حقيقة لا غبارَ عليها، لكن ما نحن بصدده اليوم أمرٌ آخر، وهو تداعيات هذه التطورات الدراماتيكية في مناطق الجمهورية العربية اليمنية (السابقة) وانعكاساتها على الجنوب (أرضًا وشعباً وقضيةً ومشروعًا جنوبيًّا).
في هذا السياق ورغم التصريحات الواضحة لبعض المتحدثين الإعلاميين والسياسيين باسم الجماعة الحوثية التي يقولون فيها علنًا أن وجهتهم القادمة هي عدن (وبعضهم بالغ وقال حضرموت) فإن بعض الإعلاميين الحوثيين الـ”كيوت” ظهروا على وسائل الإعلام ليبعثوا رسائل طمأنة إلى الجنوبيين يقولون فيها أنه لولا استفزاز السعودية وحلفائها في مأرب وتعز والمخا لما أقدموا على ما أقدموا عليه من احتلال المخا ومأرب.
وفي حقيقة الأمر إن الحوثيين يتميزون بأنهم يفعلون ثم بعد ذلك يقولون، بعكس بقية الأطراف التي تقول كثيرًا وحينما يدنو موعد الفعل تتبخر الأقوال وتختفي الأفعال.
وفي هذا السياق على الجنوبيين أن لا يستبعدوا احتمال انتقال المواجهة مع الجماعة الحوثية إلى الجنوب، لكن الأمر يستدعي التعامل بحيطةٍ وحذر إزاء مختلف الافتراضات، وعدم التورط في معارك المحافظات الشمالية، لأن أهالي تلك المحافظات وحتى القوى السياسية لا تمانع من سيطرة الحوثي على كامل مساحة الجمهورية العربية اليمنية (السابقة) بعد أن برهن قادة شرعية رشاد العليمي أنهم أضعف من أن يقودوا محافظة أو حتى مديرية بنجاح (أو حتى نصف نجاح).
ولأن الحديث في هذا الأمر يتشعب ويطول فإن حديثنا هنا سيُختَصَر على أهمية أخذ الحيطة والاستعداد لمواجهة كافة الاحتمالات على الأصعدة السياسي والعسكري والأمني، وفي هذا السياق على القادة السياسيين والعسكريين الجنوبيين التعلم من تجارب الماضي من خلال:

  1. تجميد الخلافات والصراعات وتوحيد الجهود السياسية والأمنية والعسكرية لمواجهة احتمال تمدد النزاع والمواجهات العسكرية إلى الأراضي الجنوبية
  2. أتمنى أن لا يهرول قادة القوات المسلحة الجنوبية وراء معلَّقات المدح والثناء والإعجاب بشجاعتهم التي تستهدف إرسالهم إلى محرقة الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل خارج الأرض الجنوبية فالأشقاء الشماليون يتنازعون طوال تاريخهم، لكنهم يتميزون بالحرص على التقليل من الضحايا البشرية، وخارطة الطريق جاهزة للتنفيذ ولم يتبقى لتنفيذها إلَّا التخلص من القوت الجنوبية والقوى السياسية الجنوبية الرافضة لهذه الخارطة وعلى رأسها المجلس الانتقالي وأنصاره؛
  3. على رجال الأمن والقوات المسلحة أن يضعوا في اعتبارهم نزوح الملايين من المواطنين الشماليين إلى عدن وحضرموت، ولأننا نحترم الحالات الإنسانية ونبالغ في التغاضي عما سواها، فإنني أذكر بتجربة الجنوب مع الوافدين بعد 2015م و1994م، حينما تحول أغلبهم إلى مقاتلين في صف العدو، والحل لمثل هذه الفرضية هو حصر النازحين في مخيمات بعيدة عن المدن والأحياء السكنية، وعدم السماح بدخول المسلحين، وتفويض المنظمات الدولية لتولي إغاثة النازحين الحقيقيين والفصل بين النزوح السياسي والعسكري، وبين النزوح الإنساني؛
  4. على النخبة السياسية والعسكرية الجنوبية أن تتجاهل شيء اسمه الشرعية (العليمية) ببساطة لأن الذي لا يحمي قريته ولا مديريته ولا محافظته؛ دعكم من جمهوريته، لا يمكنه أن يحمي أو يفكر بمصلحة أرض وشعب ينظر إليهما كأعداء ويتعامل معهما على هذا الأساس منذ العام 2007 حينما أطلق كلاب حراسته للنهش في اللحم الجنوبي والفتك بنشطاء الحراك السلمي الجنوبي، وواصل هذه السياسة حينما أصبح حاكمًا على الجنوب، دون غيره من المديريات والمحافظات بما في ذلك مديريته ومحافظته وقريته لتي يحكمها الحوثيون، أقول هذا مع كل التقدير والاحترام للشرفاء الجنوبيين والشماليين الذين احتفظوا بمواقعهم في هذه الشرعية البائسة بؤس “جان فالجان”.
    وإخيرًا
    أما إذا ما جنح الحوثيون إلى السلم مع الجنوب فإنني أنصح باختبار مصداقيتهم من اختبار انسحابهم من مديرية مكيراس العوذلية الأبينية الجنوبية، ومن باب المندب وجزيرة ميون، وبعد ذلك يمكن الحديث عن تفاصيل بقية القضايا.
    وأذكر الحوثيين وقادتهم بما قلته في منشوري منذ يومين: إن المغامرة باتجاه الجنوب ستكون ضريبتها أضعاف ما دفعتموه في العام 2015م، فجنوب 2026م يختلف جذريًّا ونوعيًّا عن جنوب 2015م