*- شبوة برس – خاص
رصد شبوة برس تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السبت 12 سبتمبر 2026، خلال زيارته إلى إيرلندا، والتي قال فيها إن الحوثيين تواصلوا مع الولايات المتحدة وطلبوا منها عدم التدخل ضدهم، مؤكداً أنهم «لا يريدون قتالنا» ولا يريدون أن تهاجمهم واشنطن.

وتزامنت تصريحات ترامب مع تقارير أمريكية عن طلب سعودي تدخل عسكري أمريكي مباشر ضد الحوثيين، في ظل تقدمهم على الساحل والسيطرة على مواقع استراتيجية عند باب المندب، إلا أن واشنطن اتجهت، في الوقت الراهن، إلى تقديم الدعم الاستخباري ومعلومات تحديد الأهداف، مع تجنب تنفيذ ضربات أمريكية مباشرة.

ويرى الدكتور محمد علي السقاف، أستاذ القانون الدولي، أن جمع التطورين في سياق سياسي واحد يطرح سؤالاً مشروعاً حول ما إذا كانت هذه السياسة الأمريكية تمثل نوعاً من «الزنقلة الترامبية الأمريكية الابتزازية للسعودية»، أم أنها تعكس حسابات أوسع تتصل بالعلاقة مع إيران وبالاستحقاق الانتخابي الأمريكي، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

فواشنطن، بحسب قراءة السقاف، تبدو أمام موقف لافت: السعودية تطلب منها التدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين، بينما يعلن الرئيس الأمريكي أن الحوثيين أنفسهم طلبوا من الولايات المتحدة عدم التدخل، في وقت تكتفي فيه الإدارة الأمريكية بتقديم الدعم الاستخباري وتحديد الأهداف.

ويستعيد السقاف في هذا السياق التحول الذي شهدته السياسة الأمريكية تجاه الحوثيين خلال السنوات الماضية. ففي نهاية ولاية ترامب الأولى، صنفت الإدارة الأمريكية جماعة الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، قبل أن تأتي إدارة الرئيس جو بايدن وتلغي التصنيف رسمياً في فبراير 2021. كما عينت واشنطن في الفترة نفسها تيم ليندر كينغ مبعوثاً أمريكياً خاصاً إلى اليمن، في إطار دفع المسار الدبلوماسي لحل الأزمة.

وبذلك أصبح الملف اليمني يتحرك عبر مسارين دوليين متوازيين: المبعوث الأممي من جهة، والمبعوث الأمريكي الخاص من جهة أخرى، بما يعكس استمرار الحضور الدولي المباشر في إدارة الأزمة اليمنية.

ويتساءل السقاف: هل يمثل الاهتمام الأمريكي المتجدد بالحوثيين نوعاً من الابتزاز السياسي للسعودية، بحيث تُدفع الرياض إلى تحمل العبء الأكبر في مواجهة الحوثيين، بينما تحتفظ واشنطن بأوراق الضغط والمعلومات والاستخبارات؟ أم أن الأمر يدخل في سياق أوسع لتلطيف العلاقات الأمريكية الإيرانية، وإدارة الصراع بطريقة لا تفتح جبهة عسكرية أمريكية جديدة، خصوصاً مع قرب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية؟

ويضيف أن اللافت هو الاستثناء الذي يبدو أن الحوثيين يحظون به في التعامل الأمريكي، مقارنة بحلفاء إيران الآخرين في المنطقة، متسائلاً عن طبيعة الحدود التي ترسمها واشنطن بين الحوثيين وبين حزب الله اللبناني والحركات العراقية الحليفة لإيران، ومدى اختلاف مستوى التواصل والتعامل السياسي معها.

وفي السياق نفسه، يتوقف السقاف عند الاتصالات السعودية المباشرة مع الحوثيين، مشيراً إلى وجود لقاءات واتصالات بين السفير السعودي المعتمد لدى اليمن وقيادات حوثية، في مقابل غياب تواصل مماثل على المستوى نفسه بين كبار مسؤولي السلطة المعترف بها دولياً والقيادات الحوثية، باستثناء القنوات التي تمر عبر الأمم المتحدة أو الوساطة السعودية.

ويرى السقاف أن التطورات الميدانية، ولا سيما سيطرة الحوثيين وتقدمهم السريع باتجاه باب المندب والساحل، تفرض على السعودية إعادة النظر بجدية في طبيعة الغطاء والدعم الذي توفره للسلطة المعترف بها دولياً وقيادتها.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: إذا كان الحوثيون قد أصبحوا، بحكم السيطرة الفعلية على الأرض، سلطة أمر واقع تتعامل معها قوى إقليمية ودولية عبر قنوات مباشرة، فهل يمكن أن تجد السلطة المعترف بها دولياً نفسها، في مرحلة لاحقة، أمام واقع مشابه؟ وهل تكفي الصفة القانونية للاعتراف الدولي وحدها للفصل بين سلطة أمر واقع وأخرى، إذا أصبحت السيطرة الفعلية على الأرض هي العامل الحاسم في إدارة العلاقات السياسية والأمنية؟

وتابع شبوة برس أن تصريحات ترامب الأخيرة لا ينبغي قراءتها منفصلة عن التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة في اليمن، إذ إن السيطرة على باب المندب لا تمثل مجرد تحول ميداني، بل تضع الولايات المتحدة والسعودية أمام معادلة جديدة تتعلق بأمن الملاحة والطاقة والنفوذ الإقليمي.

ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت واشنطن ستضرب الحوثيين، وإنما بمن يدفع ثمن المواجهة، ومن يمتلك قرار التصعيد، ومن يملك في النهاية ورقة الاعتراف والتعامل مع سلطات الأمر الواقع في اليمن.