يتجاوز سقوط جبهات الساحل الغربي اليمني —من حيس والخوخة وصولاً إلى السيطرة الميدانية الكاملة لجماعة الحوثي على ميناء المخا الإستراتيجي والجزر المحيطة— أبعاد الصراع المحلي ليدخل المنطقة في أعقد منصة اشتباك دولي منذ عقود.
إن وصول الحوثي (ذراع إيران الأقوى عسكرياً في الإقليم) إلى حافة مضيق باب المندب يمثل تحولاً دراماتيكياً يُطبق الخناق الجيوسياسي على خطوط الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
خطورة الهيمنة الحوثية/الإيرانية على المضيق:
تكمن الخطورة المباشرة في تحول مضيق باب المندب إلى “ورقة ضغط وابتزاز سياسي” مطلقة بيد طهران. فبعد تعطل الحركة التجارية عبر مضيق هرمز، أصبحت المنافذ البحرية للبحر الأحمر الممر البديل الأوحد لتدفق النفط والغاز المسال الخليجي نحو الأسواق الغربية.
وباتت السيطرة الحوثية الفعلية اليوم تعني وضع 12% من حركة التجارة الدولية و30% من الشحن البحري العالمي تحت رحمة الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، وهو ما تُرجم فورياً بـقفزة حادة في أسعار خام برنت إلى 105 دولارات للبرميل.

مآلات الصراع في اليمن :
أمام هذا التمدد يبرز التساؤل الجوهري حول مدى قدرة المملكة العربية السعودية والقوات اليمنية المدعومة منها (المقاومة الوطنية بقيادة طارق عفاش ألوية العمالقة وقوات درع الوطن) على صد هذا الهجوم الإستراتيجي:

  • إعادة التموضع والرد العسكري: خطوة تشكيل مركز قيادة بديل جنوب المخا بقيادة طارق عفاش وبالتنسيق مع التحالف العربي، تعكس محاولة واضحة لامتصاص الصدمة الدفاعية والبدء بإعادة تجميع الصفوف المتناثرة عسكرياً. و إعلان “منطقة قتال محظورة” حول المخا مسنودة بغارات الطيران يبرهن على أن المعركة لم تنتهِ بل دخلت طوراً جديداً من حرب المدن والخطوط الدفاعية المكثفة.
  • الاستراتيجية السعودية (الانتحار الاستراتيجي): تقرأ الرياض الاندفاعة الحوثية نحو الممرات الدولية ليس كإنهاء للمعركة، بل كـ “فخ استراتيجي” يضع الجماعة في مواجهة مباشرة وحتمية مع الإرادة الدولية وعقيدة الأمن القومي الأمريكي.
    السعودية تمتلك القدرة اللوجستية والجوية والمالية لتمويل جبهات استنزاف طويلة الأمد؛ غير أن فعاليتها تظل رهينة بـتجاوز الخلافات البينية للمكونات اليمنية على الأرض وتوحيد القرار العسكري لغرفة العمليات المشتركة.
  • مكامن الضعف والردع: رغم الترسانة الصاروخية المتطورة للحوثيين، فإن تقدمهم نحو مناطق جغرافية ساحلية ومكشوفة يجردهم من حماية الجبال والتحصينات الوعرة، مما يجعلهم أهدافاً مستساغة لخطوط النار الجوية والبحرية.
    إن مآلات الصراع في اليمن باتت مرتبطة كلياً بمدى صمود مراكز القيادة البديلة وقدرة الرياض على تفعيل أدوات الضغط الإقليمية؛ فالسيطرة على الساحل الغربي وضعت الحوثيين على مسافة صفر من مواجهة طائرات المقاتلة والقطع البحرية للتحالفات الدولية، مما يجعل هذه التطورات مقدمة لـموجة تصعيد كبرى قد تقلب موازين النفوذ البحري في المنطقة برمتها.