عادت جغرافيا الساحل الغربي اليمني لتتصدر المشهد السياسي والعسكري بصدمة ميدانية مروعة؛ فالسقوط المتسارع لمديريات حيس والخوخة وصولاً إلى مدينة وميناء المخا الإستراتيجية وقاعدة خالد العسكرية بيد الحوثيين، لم يكن مجرد انكسار عسكري تقليدي أمام حشود المليشيا، بل كشف عن عاصفة من التساؤلات والشكوك حول خفايا ما جرى خلف الكواليس.
بناءً على المعطيات الأخيرة ،لم يعد الحديث عن “المؤامرة والبيعة” مجرد تحليل تتبناه منصات التواصل، بل غذته تصريحات وتسجيلات صوتية بالغة الخطورة نُسبت لقادة الصف الأول في الميدان؛ حيث تشير الأنباء إلى أن طارق عفاش تحدث بمرارة عن التعرض لـ”خدعة” وقطع متعمد للدعم اللوجستي والعسكري عن قواته.
بالتزامن مع ذلك ترددت أصوات منسوبة لقيادات وازنة في ألوية العمالقة والمنطقة العسكرية الرابعة، كاللواء حمدي شكري تؤكد ذات المعنى وتصرخ في جوف المعركة: “لقد خُدعنا!”.
هذه العبارات المشحونة بالقهر الميداني، “إذا صدقت” تختزل واقعاً مريراً يتجاوز قدرات العدو؛ إنها تشير بوضوح إلى تفاهمات مبطنة وتنسيق غير معلن استهدف التخلص من النفوذ السياسي والعسكري لطارق عفاش، واستنزاف القوة الضاربة لألوية العمالقة عبر كشف غطائها الدفاعي وتركها منفردة أمام المحرقة الحوثية.
إن المستفيد الأكبر من هذا الخذلان الممنهج هي الأطراف التي يسوؤها وجود قطاع عسكري منظم وقوي في الساحل الغربي يمتلك قرار السيادة والأرض.
فضرب هذا المحور وتفكيك القوات المشتركة يحجم طموحاتها السياسية المستقبلية، حتى وإن كان الثمن القومي هو تقديم مضيق باب المندب خط الملاحة الدولي على طبق من ذهب للمشروع الإيراني وأدواته وتحويل شريان الطاقة العالمي إلى ورقة ابتزاز إقليمية، وهو ما يفسر تحرك مجلس الأمن الدولي لعقد جلسة طارئة لبحث هذا الانهيار الإستراتيجي.
إعلان طارق صالح عن التوجه لتأسيس مركز قيادة بديل جنوب المخا لإعادة تجميع وتنظيم صفوف قواته، هو محاولة تكتيكية لامتصاص الصدمة وتفادي الإبادة الكاملة.
لكن الدرس القاسي الذي تكتنزه هذه النكسة يثبت مجدداً أن طعنات الظهر والصفقات السياسية الغادرة هي التي تفتح الثغرات للمليشيا، وأن دماء الجنود المخلصين في جبهات الساحل دفعت ثمن تصفية حسابات ضيقة ستدفع اليمن والإقليم كلفته الباهظة لسنوات قادمة.
