إن التاريخ الحقيقي للشعوب لا يُكتب بمداد السلطة ولا بدعاية الأنظمة المتبدلة ولا باقلام الصحافة المأجورة بل تسجله الميادين بدماء ونضالات من رفضوا الخنوع والوصاية واليوم تقف الذاكرة الوطنية الجنوبية شاهدةً على مسيرة طويلة من الكفاح ضد القهر والظلم فالشعب الذي وقف بصلابة في وجه الاستعمار البريطاني الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ثم عهد صالح ونظامه المستبد وواجه آلة جبروته الأمنية والسياسية بصدور عارية وإرادة صلبة هو ذاته الذي تصدى لغزو مليشيات الحوثي الانقلابية وكسر كبرياءها على أسوار المدن الجنوبية الحرّة .
إن هذه الصورة النضالية لم تكن حدثاً طارئاً ولا فورة عابرة بل هي تعبير أصيل عن وعي جمعي يرفض القبول بمنطق السيطرة والقوة الغاشمة ومن وئِدت على أيديهم مشاريع الاستبداد الأول وتمكنوا من دحر تمدد المليشيات المسلحة ومشاريعها السلالية يملكون اليوم ذات الوعي والجاهزية الأخلاقية والوطنية لحماية مكتسباتهم .
فالذين انتزعوا حريتهم بتضحيات جسام لن يتسامحوا مع أي محاولات لإعادة إنتاج أدوات الظلم والطغيان سواء ارتدت مسوح السياسة أو تسترّت تحت لافتات ومسميات جديدة إن إعادة تدوير الاستبداد أو محاولة شرعنته بثياب مختلفة هي رهانات خاسرة لأن أجيالاً تعمدت نضالاتها بالدم والوعي لن تقبل بأقل من دولة جنوبية دولة المواطنة والعدالة والكرامة .
إن الرسالة الأبرز التي تجسدها هذه المسيرة الممتدة هي أن كسر طوق الخوف كان نقطة تحول لا رجعة عنها ولن يتاح لأي طرف مهما بلغت قوته أو تنوعت أساليبه أن يعيد عجلة التاريخ إلى الوراء أو أن يتوهم إمكانية إخضاع شعب تمرس على مقاومة الظلم وجعل من الحرية خياره الوجودي الأول والأخير .
