في اليمن، يبدو أن الحرب أصبحت لها جبهتان: جبهة حقيقية فيها شباب يمشون نحو الموت، وجبهة أخرى فيها ضباط يناقشون الموت بين المكيفات والبوفيهات المفتوحة.
في عدن والرياض، تُعقد الاجتماعات العسكرية الموسعة، وتُعلق الخرائط وتُرفع التصريحات عن “الجاهزية العالية” و”وحدة الموقف” و”الانتصارات العظيمة” و”استعادة مؤسسات الدولة”.
أما في الجبهة، فلا مكيفات ولا بوفيهات ولا كاميرات. هناك شاب يمني يحمل بندقية، وربما لا يعرف لماذا يقاتل، لكنه يعرف أن الرصاصة لا تسأل عن اسم الحزب ولا عن بيان وزير الدفاع.
القيادات تقول: نحن على أعلى درجات الجاهزية!
والجندي يسأل: وأنا على أي درجة من التأمين؟ هل جهزتم لي قبرًا أم راتبًا؟
المأساة ليست في الاجتماع العسكري، فالجيوش تحتاج إلى الاجتماعات والتخطيط. المأساة عندما يتحول الاجتماع إلى بديل عن المعركة، والبيان إلى بديل عن الإنجاز، والصورة الجماعية إلى بديل عن استعادة الدولة.
في الأعلى، أبناء كثير من النافذين بعيدون عن الجبهات، يدرسون ويعيشون في عواصم العالم. وفي الأسفل، أبناء الفقراء يتسابقون إلى المتاريس، ويتركون خلفهم أمهات وزوجات وأطفالًا ينتظرون الراتب أو خبر الوفاة.
وهنا يصبح السؤال أكثر وقاحة من الحرب نفسها: من الذي يقاتل فعلًا؟ ومن الذي يدير الحرب من قاعة الاجتماعات؟
بعد سنوات من الدماء، ما زالت الكلمات نفسها تُعاد تدويرها: جاهزية… حسم… انتصارات… استعادة الدولة! حتى أصبحت البيانات العسكرية مثل المسلسلات الرمضانية: كل موسم نفس القصة، لكن الضحايا يتغيرون!
والأكثر مرارة أن من قاتلوا سنوات قد يجدون أنفسهم أمام طاولة تفاوض، يتبادل فيها السياسيون الابتسامات والمصافحات، بينما تبقى قبور الشباب هي الوثيقة الوحيدة التي لم تدخل في المفاوضات.
نعم يا سادة، المشكلة ليست في الجندي الذي يقاتل، بل في من يطلب منه أن يموت بينما يحتفظ لنفسه ولأبنائه بتذكرة السفر.
الحرب الحقيقية لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا البيانات ولا صور القادة خلف الطاولات، بل بسؤال واحد: لماذا يموت أبناء الفقراء وحدهم، بينما الدولة التي يُقال إنهم يموتون من أجلها ما زالت تسكن الفنادق؟
إذا كانت “استعادة الدولة” تحتاج كل هذه السنوات وكل هذه الدماء، فعلينا أن نسأل بصوت مرتفع: هل هناك فعلًا من يريد استعادة الدولة؟ أم أن الجميع أصبح مرتاحًا في إدارة غيابها؟
في اليمن، يبدو أن هناك حربًا تُدار بدم الفقراء… وسلامًا سيُكتب بأقلام من لم يطلقوا رصاصة واحدة.
والسؤال الأخير: هل هذه حرب لاستعادة الدولة فعلًا… أم أن الدولة أصبحت مجرد “لافتة” تُعلق فوق حرب طويلة، يدفع اليمنيون ثمنها من أعمارهم ودمائهم؟
فيروز الولي
كاتبة يمنية
