*- شبوة برس – خاص
لو أن رشاد العليمي خرج غدًا ليقول بوضوح: «النفير لغزو الجنوب العربي واستعادة أرضه وثرواته وإخضاعه من جديد»، لما احتاج الأمر إلى كثير من الشرح لفهم حجم التعبئة التي يمكن أن تنتجها هذه الدعوة.
فالعليمي أعلن بالفعل «التعبئة العامة والنفير الوطني»، ودعا إلى الالتفاف حول القوات المسلحة، ثم أعلن في 4 أكتوبر بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية وبسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني ومع ذلك لم يستجب له حتى الجنود في المعسكرات.
وهنا يضع شبوة برس الإصبع على الجرح: عندما تتحدث «الشرعية» عن استعادة كامل التراب الوطني، يصبح من حق الجنوب العربي أن يسأل: هل يشمل هذا المشروع أرض الجنوب وقراره وثرواته أيضًا؟ وإذا كان الجواب نعم، فبأي حق يُطلب من أبناء الجنوب أن يكونوا وقودًا لمشروع يستهدف، في نتيجته السياسية، إبقاء الجنوب تحت سلطة يمنية لا يقبلها شعبه؟
الأمر لا يتعلق بالعليمي وحده. فالمشهد السياسي اليمني، بمختلف تياراته، من الإصلاح إلى القوى الحزبية الأخرى، مرورًا بالإعلام والنخب السياسية، ظل في قطاعات واسعة منه يتعامل مع استقلال الجنوب باعتباره خطًا أحمر، بينما يختلفون فيما بينهم على السلطة والنفوذ، ثم يتوحد خطابهم عندما يتعلق الأمر بحق الجنوب في تقرير مصيره.
وحتى الحوثيون، الذين يخاصمون «الشرعية» ويقاتلونها، لا يقدمون نموذجًا يعترف بحق الجنوب في تقرير مستقبله؛ فالصراع بين القوى اليمنية لا يعني تلقائيًا أن أيًا منها أصبح ممثلًا للحق الجنوبي.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر فجاجة: قد يختلف الإصلاحي مع الحوثي، وقد يتصارع الحزبي مع العسكري، وقد تتبادل النخب الاتهامات ليل نهار، لكن الجنوب يظل حاضرًا في خطاب كثير منهم بوصفه أرضًا ينبغي الاحتفاظ بها، لا شعبًا له حق أصيل في اختيار دولته ونظامه ومستقبله.
أما الثروات، فالقصة أكثر وضوحًا من كل الخطب. كلما ارتفع صوت جنوبي يطالب بقرار مستقل وإدارة موارده، ظهرت فجأة شعارات «الوحدة» و«الدولة» و«الشرعية» و«السيادة»؛ وكأن السيادة تصبح مقدسة فقط عندما يتعلق الأمر بإبقاء يد السلطة اليمنية على أرض الجنوب وثرواته.
شبوة برس لا يقول إن كل يمني يحمل الموقف نفسه، ولا يملك أحد حق مصادرة ضمائر ملايين الناس. لكنه يقول بوضوح إن الخطاب السياسي المعلن للقوى التي تصر على «استعادة كامل التراب الوطني» يتناقض جذريًا مع حق الجنوب العربي في تقرير مصيره. والدليل ليس في النوايا السرية، بل في النصوص والتصريحات والأهداف المعلنة.
والأشد إثارة للسؤال أن العليمي نفسه أقر في خطابه بأن المحافظات الجنوبية تحملت أعباء الحرب وقدمت تضحيات كبيرة، وجدد التزامه بحل عادل وشامل للقضية الجنوبية. فكيف يستقيم الاعتراف بالقضية الجنوبية من جهة، والإعلان في الوقت ذاته عن استعادة كامل التراب الوطني وبسط سلطة الدولة عليه من جهة أخرى؟
هذه هي المعادلة التي ينبغي أن يفهمها كل جنوبي قبل أن يسمع طبول النفير: الجنوب ليس مخزنًا للجنود، ولا خزانًا للثروة، ولا جسرًا تعبر فوقه مشاريع الآخرين إلى السلطة.
ومن يريد من أبناء الجنوب أن يقاتل، فليقل أولًا: ماذا سيحصل عليه الجنوب سياسيًا بعد انتهاء الحرب؟ ومن سيضمن حقه في أرضه وثروته وقراره؟ وهل ستُحترم إرادة شعبه في اختيار دولة جنوبية فدرالية، أم ستعود «الشرعية» بعد انتهاء المعارك لتقول له: شكرًا على الدماء، والآن عُد إلى مقاعدك تحت سقف اليمن؟
هنا تحديدًا يصبح النفير امتحانًا لا للجنوب، بل لمن يطلب من الجنوب أن يقاتل.
فإذا كان المطلوب تحرير الأرض من الحوثيين، فليكن واضحًا أن تحرير الجنوب لا يعني تسليمه لسلطة يمنية أخرى.
وإذا كان المطلوب استعادة الدولة، فليكن السؤال: أي دولة؟ ومن يملك حق اختيارها؟
أما أن يُطلب من الجنوبي أن يموت دفاعًا عن مشروع سياسي لم يمنحه ضمانة واحدة لقضيته، فهذه ليست شراكة وطنية؛ إنها مطالبة بتقديم الدم أولًا، ثم انتظار الفاتورة السياسية لاحقًا.
وشبوة برس يقولها بلا مواربة: دماء أبناء الجنوب العربي ليست تفويضًا مجانيًا لأحد، ولن تتحول تضحياتهم إلى صك ملكية سياسي على أرضهم وثرواتهم ومستقبلهم.
